الاخبار

معهد نيولاينز: القوات الأميركية تتجه سريعاً للرحيل عن سوريا

شهد الوضع الأمني والسياسي في سوريا خلال الأسبوعين الأخيرين تحولات لافتة، عقب مواجهات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري، انتهت بتوسّع نفوذ الإدارة في دمشق في مناطق شمال شرقي البلاد. وجاء وقف إطلاق النار الموقّع في 18 كانون الثاني، ثم اتفاق الدمج في 30 من الشهر نفسه، ليشكلا محاولة لمعالجة أبرز نقاط التوتر المزمنة، وفتح الطريق أمام تشكيل قوة عسكرية موحّدة.

وكان للولايات المتحدة دور بارز في الدفع نحو هذا المسار، بعدما مارست ضغوطاً على الطرفين طوال العام الماضي للتوصل إلى اتفاق يدمج البنى السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة ضمن مؤسسات الدولة المركزية. وتستند واشنطن في هذا التوجه إلى قناعة مفادها أن تعزيز الاستقرار الداخلي بين الأطراف السورية يشكّل شرطاً أساسياً لخفض انخراطها العسكري في البلاد، بعد نحو أربعة عشر عاماً على بدء انتشار قواتها لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

غير أن هذه التطورات، على أهميتها بالنسبة للإدارة الأميركية وإمكانية انسحابها من سوريا—وهو خيار طُرح منذ ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى—تفرض على واشنطن إعادة تقييم معطيات معقّدة. فالقوات السورية اليوم أمام اتفاقي هدنة ودمج على المستوى الأمني، لكنها تتعامل بحذر نتيجة الفجوة العسكرية بين الطرفين، وضعف الأسس التوافقية التي قام عليها الاتفاق، ما يترك الباب مفتوحاً أمام احتمال تجدّد الاشتباكات. كما أن التغييرات السريعة في المشهد الأمني قد تخلق مساحة جديدة لنشاط التنظيمات المتطرفة، خصوصاً مع شروع الولايات المتحدة وشركائها في تفكيك بعض مراكز الاحتجاز ونقل عدد من السجناء إلى العراق.

اتفاق سريع وهش

اتسم التفاهم بين دمشق وقسد بوتيرة تنفيذ متسارعة، إذ قُسّمت عملية تسليم المناطق وتولّي المهام الأمنية إلى مراحل بدأت مطلع شباط، بعد أيام قليلة فقط من توقيع الاتفاق. وتقضي الخطة بإعادة تنظيم وحدات قسد لتصبح ألوية جديدة ضمن تشكيلات الجيش السوري، مع احتفاظها بأربعة ألوية داخل هذا الهيكل، بدلاً من دمج المقاتلين بشكل فردي، وهو ما اعتُبر تنازلاً من جانب دمشق.

ورغم هذه الترتيبات، لا يزال إرث انعدام الثقة بين القيادات الكردية والحكومة المركزية قائماً، يضاف إليه ما شهده الميدان من احتكاكات مؤخراً. ولهذا يواصل المسؤولون الأكراد التشديد على ضرورة أن يكون الدمج فعلياً وعادلاً، ومسنوداً بضمانات دستورية، محذّرين من أن غياب هذه الشروط قد يؤدي إلى تعثر التعاون أو انحرافه، خاصة إذا بدا أن العملية مفروضة شكلياً لا جوهرياً.

في المقابل، رحبت الولايات المتحدة بالاتفاق واعتبرته خطوة محورية نحو تعزيز المؤسسات وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار، وتقليص الاعتماد على قوى أمنية خارجية. كما أنه أعاد رسم طبيعة الشراكة الأميركية داخل سوريا، إذ لم تعد قسد الطرف المحلي الرئيسي في مواجهة تنظيم الدولة، بل باتت الأجهزة الأمنية التي أعادت الحكومة السورية تشكيلها هي الشريك المعني بهذه المهمة.

هواجس عودة تنظيم الدولة

وعلى الرغم من إبداء واشنطن ثقة مبدئية بالإدارة السورية الجديدة وقواتها الموحّدة، فإنها لم تصل إلى حد الاطمئنان الكامل لقدرتها العملياتية. فبعد التوصل إلى وقف إطلاق النار، تدخلت الولايات المتحدة للتوسط في اتفاق ثلاثي مع بغداد وقيادة أميركية مؤقتة لنقل قرابة سبعة آلاف معتقل من المخيمات في شمال شرقي سوريا إلى العراق. ويعكس ذلك، إلى جانب حساسية مرحلة الدمج، شكوكا أميركية بشأن قدرة السلطات السورية على إدارة هذه المنشآت على المدى الطويل.

وفي وقت تركّز فيه دمشق وقسد على تثبيت الاستقرار وإعادة هيكلة الجيش، يبرز خطر تراجع أولوية محاربة تنظيم الدولة، وهو ما بدا واضحاً في إدارة مراكز الاحتجاز ومخيمات النازحين. وقد تجلّى ذلك بهروب نحو مئتي سجين من سجن الشدادي في كانون الثاني الماضي أثناء عملية تسليم المواقع، قبل أن تعلن السلطات إعادة توقيف 81 منهم ومواصلة عمليات الملاحقة.

استغل التنظيم حالة التحول الأمني التي أعقبت سقوط النظام ليعيد تنشيط حضوره، فخلال عام 2024 ضاعف هجماته مقارنة بالعام السابق، ورغم انخفاض نسبي في وتيرتها عام 2025، نفذ عمليات استهدفت القوات الحكومية وخطط لاعتداءات على مواقع مدنية، بينها كنائس خلال فترات الأعياد. كما حذرت أجهزة استخبارات عراقية من تزايد أعداد مقاتليه داخل سوريا إلى نحو عشرة آلاف عنصر، ما يثير مخاوف من امتداد نشاطه عبر الحدود.

مؤشرات على انسحاب أميركي

ترافقت هذه التطورات مع خطوات أميركية عملية لتقليص الوجود العسكري في المنطقة، إذ تشير الخطط إلى استكمال الانسحاب من العراق بحلول أيلول المقبل، بالتزامن مع انتهاء المهمة الاستشارية لحلف شمال الأطلسي هناك. وكانت القوات الأميركية قد أعادت انتشارها سابقاً من قواعد رئيسية مثل عين الأسد ومطار بغداد إلى مواقع في أقصى شمال إقليم كردستان، ما قلّص قدرتها على توفير الغطاء الجوي والدعم الاستخباري وعمليات الاستطلاع في العراق وسوريا، وهو ما قد يمهّد لانسحاب أوسع في نهاية العام.

ورغم أن اتفاق دمشق وقسد يمنح واشنطن ذريعة إضافية للمضي في هذا الاتجاه، فإن كثيرين يرون أنه لا يشكّل بديلاً أمنياً دائماً عن الوجود الأميركي، في ظل هشاشة عملية الدمج، واستمرار نشاط تنظيم الدولة، والتقلبات التي ما تزال تحيط بملفات الاحتجاز وضبط الحدود ومكافحة التمرّد.

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى