فورين أفيرز: بوادر أزمة تلوح في سوريا

بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، تبدو سوريا وكأنها تقف أمام لحظة مفصلية ستحدد شكل مستقبلها السياسي والاجتماعي. فالدولة التي خرجت سريعاً من دائرة العزلة الدولية وحصلت على دعم سياسي ومالي غير مسبوق، ما تزال في الداخل عالقة بين نموذج الحكم الأمني المركزي وبين فكرة الدولة الجامعة التي تضم مختلف مكوناتها. تقرير حديث نشرته مجلة فورين آفيرز يتناول هذه المفارقة، مشيراً إلى أن البراغماتية السياسية والقبضة الأمنية التي أوصلت القيادة الجديدة إلى دمشق ساعدتا في تحقيق اختراقات خارجية مهمة، لكنها في المقابل بدأت تنتج نظاماً محدود الأفق يثير قلق شرائح واسعة من السوريين. ويخلص التقرير إلى أن استقرار البلاد لن يُحسم في العواصم الأجنبية، بل سيتوقف على قدرة القيادة الجديدة على توسيع المشاركة السياسية وتقاسم السلطة فعلياً وبناء دولة يشعر الجميع بأنها تمثلهم.
ضمن هذا السياق، نشر موقع تلفزيون سوريا ترجمة التقرير باعتباره قراءة صحافية غربية لمسار المرحلة الانتقالية، من دون أن يعني ذلك تبنّيه لمواقف المجلة أو كاتبها.
اختراق خارجي سريع… وتحديات داخلية ثقيلة
خلال عام واحد فقط، نجح أحمد الشرع في تحقيق تحولات غير متوقعة: إسقاط النظام السابق، وإقناع دول غربية بتخفيف أو تعليق معظم العقوبات، والحصول على تعهدات باستثمارات بمليارات الدولارات، إضافة إلى الانضمام إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة. هذه الخطوات مثّلت إعادة تأهيل دولية واسعة لسوريا الجديدة، كان من الصعب تخيلها عند وصول القيادة الحالية إلى الحكم.
لكن في الداخل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالخصائص التي مكّنت هيئة تحرير الشام من الوصول إلى دمشق—من مركزية القرار والمرونة البراغماتية والاعتماد على القبضة الأمنية—تحولت بعد عام إلى عوامل تعيق بناء دولة تشاركية. إذ تركزت السلطات في أيدي دائرة ضيقة من القيادات السابقة داخل الهيئة، من دون تقديم رؤية واضحة لمستقبل النظام السياسي، ما عمّق مخاوف الأقليات وقطاعات من الأغلبية السنية التي تشعر بالقلق تجاه طبيعة الحكم الجديد.
وشهد شمال شرقي البلاد ذروة هذه التوترات بعد تمدد قوات الحكومة في مناطق كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية. ورغم أن الاتفاق الأخير بين الطرفين بشأن الدمج داخل مؤسسات الدولة خفف حدة الاحتقان مؤقتاً، إلا أن التقرير يحذر من أن أي تعثر في العملية الانتقالية قد يعيد البلاد إلى دوامات عنف جديدة، تهدد المكاسب الدبلوماسية التي حققتها دمشق.
عودة سريعة إلى الساحة الدولية
يشير التقرير إلى أن سرعة انفتاح سوريا على العالم كانت لافتة، إذ انتقلت خلال أشهر من دولة منبوذة تخضع لعقوبات واسعة إلى شريك مقبول لدى عدد من العواصم. فالحكومة الجديدة أعادت قنوات التواصل مع موسكو، وحصلت على دعم خليجي لإعادة الإعمار، ودفعت الغرب إلى بدء تخفيف العقوبات. كما شُطبت أسماء قيادات بارزة من قوائم العقوبات الدولية، وزار الشرع واشنطن، مؤكداً التزام حكومته بالتعاون في محاربة تنظيم الدولة.
ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نتيجة حملة دبلوماسية ركزت على طمأنة الخارج عبر تعهدات تتعلق بتفكيك برامج الأسلحة المحظورة، والحد من النفوذ الإيراني، ودمج المقاتلين الأجانب في الجيش الجديد، وضبط الحدود. وأسهم الضغط القطري والتركي والسعودي في تسريع هذا المسار.
في الوقت نفسه، أدارت دمشق علاقاتها الإقليمية بحذر، فحافظت على التنسيق مع روسيا، وقلصت حضور طهران من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة، وسعت إلى خفض التصعيد مع إسرائيل عبر وساطات أميركية، رغم استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
إعادة بناء السلطة… ومخاوف التمركز
على المستوى الداخلي، نجحت القيادة الجديدة في احتواء عشرات الفصائل المسلحة التي شاركت في إسقاط النظام السابق، إذ حُلّت هذه الفصائل رسمياً ودمجت في جيش وطني واحد مطلع 2025. وتم ذلك من دون اندلاع صراعات كبرى بينها، بعدما جرى استيعاب قادتها عبر مناصب عسكرية وترقيات، من دون منحهم نفوذاً سياسياً مستقلاً.
كما شهدت مؤسسات الدولة الجديدة مظاهر تنوع غير متوقعة، سواء في الحكومة الانتقالية أو في مجلس الشعب، الذي ضم تكنوقراط وشخصيات من المجتمع المدني وأقليات دينية، رغم استمرار ضعف تمثيل النساء. إلا أن التقرير يرى أن هذه المشاركة بقيت شكلية إلى حد بعيد، لأن القرار الحقيقي ظل محصوراً في دائرة ضيقة مرتبطة بالقيادة السابقة لهيئة تحرير الشام.
وزادت المخاوف مع استمرار غياب الحياة الحزبية، بعد حل جميع الأحزاب وعدم إقرار قوانين جديدة تسمح بتأسيس كيانات سياسية مستقلة، في وقت باتت شخصيات محسوبة على الهيئة تتصرف كحزب حاكم غير معلن، مسيطرة على الأجهزة الأمنية والوزارات السيادية.
توترات أمنية وهواجس طائفية
تفاقمت الشكوك الشعبية بسبب أداء القوات الحكومية في مواجهة الاضطرابات الأمنية. ففي الساحل السوري، أدت عمليات ضد مجموعات موالية للنظام السابق إلى سقوط مئات المدنيين وفق تقارير حقوقية، وفي السويداء أثارت طريقة تعامل الدولة مع اشتباكات محلية انتقادات واسعة ودفعت بعض الأصوات إلى المطالبة بخيارات متطرفة، وصلت إلى حد الدعوة للانفصال أو طلب حماية خارجية.
ورغم إعلان الحكومة فتح تحقيقات ومحاكمات بحق متورطين في انتهاكات، يرى التقرير أن ضعف الموارد والانقسامات الداخلية ما زالا يقوضان قدرة الدولة على فرض الأمن، في ظل نشاط جماعات مسلحة وعصابات إجرامية، ما يعمق شعور الأقليات بعدم الأمان.
وفي الشمال الشرقي، بقيت قضية دمج قوات سوريا الديمقراطية إحدى أعقد الملفات. فالاتفاق الأخير مع دمشق اعتُبر خطوة إيجابية، خصوصاً مع الاعتراف بالحقوق الثقافية للكرد، لكنه لم يبدد القلق بشأن شكل النظام السياسي الذي سيشاركون فيه مستقبلاً.
أي مستقبل ينتظر المرحلة المقبلة؟
يخلص التقرير إلى أن المشكلات الأمنية والطائفية هي أعراض لعملية انتقال غير مكتملة، وأن الإعلان الدستوري وتشكيل المؤسسات الجديدة لم يقنعا السوريين بعد بأن السلطة تتجه نحو شراكة حقيقية. فالتنازلات التي قدمتها القيادة خلال السنوات الماضية بدت تكتيكية أكثر منها استراتيجية، هدفها احتواء الأزمات لا فتح المجال السياسي على مصراعيه.
ويرى التقرير أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع دائرة صنع القرار، وتمكين البرلمان من ممارسة دور فعلي، ودمج مختلف المكونات—بما فيها المجتمعات الكردية—في مؤسسات الدولة على قدم المساواة، إضافة إلى إرساء قواعد واضحة لتوزيع السلطة وحماية الحقوق.
ويحذر في الختام من أن الإفراط في التمسك بالقبضة الأمنية قد يقوض الشرعية الداخلية التي تحتاجها دمشق بقدر حاجتها للدعم الخارجي. فمستقبل الاستقرار في سوريا، بحسب التقرير، لن يتحدد عبر الاعتراف الدولي وحده، بل عبر قدرة الدولة الجديدة على إقناع مواطنيها بأنها تمثلهم جميعاً. وإلا فإن المرحلة الانتقالية غير المكتملة قد تتحول إلى أرضية لصراعات جديدة في السنوات المقبلة.
تلفزيون سوريا



