إعلام اسرائيلي: تعيين غسان عليا منسقا للتواصل مع الدروز في سوريا ولبنان

أثار إعلان القناة 12 الإسرائيلية عن تعيين الجنرال في جيش الاحتلال غسان عليّان «منسقاً للتواصل مع الدروز في الشرق الأوسط» ضمن قيادة المنطقة الشمالية، موجة قراءات سياسية وأمنية واسعة، باعتباره يحمل رسائل تتجاوز الداخل الإسرائيلي إلى سوريا ولبنان وفلسطين، فضلاً عن القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في ملفات المشرق.
وعليّان، المنحدر من بلدة شفاعمرو ذات الغالبية الدرزية في الجليل الغربي، أنهى أخيراً مهامه كمنسق لأعمال الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو المنصب الذي شغله منذ عام 2021، قبل أن يُستحدث له الموقع الجديد في إطار مسيرته العسكرية الطويلة، التي شهدت إصابته بجروح خطيرة خلال عدوان 2008 على قطاع غزة.
سياق إقليمي معقّد
يأتي هذا القرار في ظل تحولات سياسية وعسكرية متسارعة في سوريا والمنطقة، وفي وقت تتباين فيه الرؤى داخل المعسكر الأميركي – الإسرائيلي حول إدارة بعض الملفات الحساسة. فبينما تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالتنسيق مع تركيا، إلى مقاربات تسووية في ملفات إقليمية عدة، من بينها إيران وغزة، يدفع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو باتجاه خيارات أكثر تصعيداً، خصوصاً فيما يتعلق بالضغط العسكري المباشر على طهران.
ويظهر هذا الاختلاف أيضاً في الساحة السورية، حيث يعمل المبعوث الأميركي إلى دمشق والسفير في أنقرة، طوم برّاك، على الدفع نحو تفاهمات أمنية بين إسرائيل والحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، تمهيداً لدمج سوريا في ما يُعرف بـ«الاتفاقات الإبراهيمية». في المقابل، تتعامل تل أبيب بحذر مع هذا المسار، وتتحفظ على أي اتفاق يمنح الحكومة السورية الجديدة اعترافاً رسمياً أو يقيّد حرية تحرك الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.
حسابات إسرائيلية في الجنوب السوري
في الوقت الذي يدعم فيه الجانب الأميركي توسيع سلطة الحكومة الانتقالية على كامل الجغرافيا السورية، حتى لو جاء ذلك على حساب حلفاء سابقين مثل «قوات سوريا الديمقراطية»، تنظر إسرائيل بقلق إلى هذا المسار، معتبرةً أن تراجع «قسد» في بعض المناطق يصب في مصلحة النفوذ التركي ويكرّس واقعاً جديداً مدعوماً أميركياً وعربياً.
وتزداد المخاوف الإسرائيلية مع تداول تسريبات إعلامية عن احتمال تكرار سيناريو مشابه لما جرى شرق البلاد في محافظة السويداء، ما يضع الدروز في قلب الحسابات الإقليمية الجديدة. وتخشى تل أبيب أن يؤدي ما تعتبره «تخلياً أميركياً» عن بعض الشركاء المحليين إلى اهتزاز ثقة مجموعات أخرى في الوعود الغربية، الأمر الذي قد يؤثر في استراتيجياتها المستقبلية القائمة على بناء تحالفات محلية في مناطق النزاع.
وفي هذا الإطار، تعكس الخطوات الإسرائيلية تمسكاً بالسيطرة العسكرية على المرتفعات الاستراتيجية في الجنوب السوري، والسعي إلى توسيع نفوذها تدريجياً بما يضمن أمن المستوطنات في الجليل والجولان المحتل، مع التركيز على نزع السلاح في نطاق جغرافي أوسع، والبحث عن شركاء محليين في مناطق تمتد من جبل الشيخ إلى جبل حوران.
رسائل متعددة الاتجاهات
سبق تعيين عليّان تصريحات لنتنياهو حول محافظة السويداء، أكد فيها استمرار ما وصفه بـ«الحماية الإسرائيلية» للمحافظة في مواجهة أي تحركات معادية محتملة من جانب الحكومة الانتقالية، مستشهداً بتظاهرات رُفعت خلالها صوره في المدينة.
ويرى مراقبون أن تعيين عليّان يحمل عدة رسائل متوازية: الأولى موجهة إلى واشنطن بأن ملف الجنوب السوري يختلف عن شرق البلاد، والثانية إلى أنقرة للتأكيد على أن إسرائيل لن تتخلى عن دورها في هذه الساحة، أما الثالثة فهي إلى دمشق بأن التقدم في المفاوضات أو التحركات ضد القوى الكردية لا يعني تخلي تل أبيب عن حساباتها الخاصة في السويداء أو عن خطابها المتعلق بحماية الدروز.
كما تتجه رسالة أخرى إلى المكونات السورية، ولا سيما الدروز، مفادها أن إسرائيل تسعى لتقديم نفسها كحليف ثابت، في مقابل ما تعتبره تراجعاً أميركياً عن بعض شركائه السابقين. ويُفهم من هذا الخطاب أيضاً أن تل أبيب تحاول توسيع نفوذها في أوساط جماعات تخشى من سيطرة الحكومة الانتقالية، في ظل انكفاء أوروبي وتوافق إقليمي داعم لدمشق.
تداعيات داخلية وإقليمية
من شأن هذه التطورات أن تعزز موقع بعض القيادات المحلية في السويداء التي ترفع خطاباً انفصالياً أو تطالب بعلاقات مباشرة مع إسرائيل، في وقت تتراجع فيه أصوات أخرى تدعو إلى حلول وسط قائمة على اللامركزية والانفتاح العربي، بالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية.
وفي لبنان، يضع استحداث هذا المنصب الجديد مزيداً من الضغوط على القوى السياسية الدرزية والدولة اللبنانية، خاصة في ظل استمرار التوتر الأمني على الحدود الجنوبية، والوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق استراتيجية من جبل الشيخ، بما يمنح قيادة المنطقة الشمالية هامشاً أوسع للتأثير في المشهد المحلي، وسط مخاوف متزايدة لدى الدروز في الإقليم من تداعيات التطورات السورية الأخيرة.
بهذا المعنى، لا يبدو تعيين غسان عليّان مجرد خطوة إدارية داخل الجيش الإسرائيلي، بل يأتي في سياق أوسع من إعادة رسم التوازنات في جنوب سوريا ولبنان، ومحاولة تثبيت أوراق ضغط جديدة في مرحلة إقليمية شديدة السيولة.
الأخبار



