منشور لحاكم المركزي يشعل نقاشاً واسعاً حول أزمة السيولة في المصارف السورية

أثار منشور لحاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر حصرية، موجة واسعة من الجدل والتساؤلات بين متابعيه على صفحته في موقع “فيسبوك”، وذلك على خلفية شكاوى متكررة من مواطنين بشأن عدم قدرتهم على سحب مبالغ نقدية من حساباتهم المصرفية.
وتُعد مشكلة شح السيولة النقدية وعجز المودعين عن الوصول إلى أموالهم واحدة من أعقد الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد السوري منذ سنوات.
ورغم التغيرات السياسية الأخيرة، لم تُقدم الإدارة الجديدة للمصرف المركزي، بعد سقوط نظام الأسد، على تعديل جوهري في سياسة تقييد السحوبات النقدية، وهي السياسة التي طُبقت أساساً للحد من تدهور سعر صرف الليرة السورية.
غير أن هذه القيود، ومع الارتفاع المتسارع في معدلات التضخم، أسهمت في تقويض الثقة بالقطاع المصرفي، ودَفعت كثيراً من السوريين إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج البنوك، رغم المخاطر الأمنية المرافقة لذلك.
إشارات إلى عمق الأزمة
وقال حاكم المركزي في منشوره إن “إدارة السيولة هي من صلب مهام المصرف ومسؤولياته الأساسية”، وهي عبارة رأى فيها مراقبون إقراراً غير مباشر بمحدودية السيولة المتاحة لدى المصارف.
وأضاف أنه تم توجيه إدارات البنوك إلى إلزام فروعها باتخاذ إجراءات تضمن إدارة السيولة المتوفرة “بشكل موضوعي وعادل”.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار تقييد السحوبات يُعد خياراً اضطرارياً في المرحلة الحالية، خوفاً من حدوث سحب جماعي للودائع، في ظل أزمة الثقة العميقة التي تضرب القطاع المصرفي.
ثلاثة أهداف لإدارة السيولة
ووفق ما أوضحه الحاكم، فإن توجيهاته للمصارف تستند إلى ثلاثة أهداف رئيسية، أولها السعي إلى تلبية أكبر عدد ممكن من طلبات السحب النقدي، سواء للحسابات المودعة قبل أو بعد تاريخ 7 أيار 2025، مع التشديد على إعطاء الأولوية دائماً لصرف الرواتب المستحقة للمواطنين، القديمة منها والجديدة.
وكان المصرف المركزي قد أصدر في 7 أيار تعميماً يلزم المصارف بالسماح بالسحب من الحسابات الجارية المغذاة نقداً، وحسابات الودائع لأجل المفتوحة بعد ذلك التاريخ، من دون سقوف محددة. إلا أن منشور الحاكم فتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت هذه السحوبات باتت خاضعة فعلياً لتوافر السيولة في كل فرع، ما يعني احتمال رفض الطلبات رغم التعميم.
كما أثار ربط السحوبات بأولوية دفع الرواتب تساؤلات بين المعلقين، حول ما إذا كانت أموال المودعين تُستخدم جزئياً لتغطية الرواتب، وهو ما زاد من حالة القلق لدى المتعاملين مع المصارف.
تمييز بين كبار وصغار المودعين؟
أما الهدف الثاني، بحسب حاكم المركزي، فيتمثل في “التوزيع العادل للسيولة بين جميع المتعاملين، ولا سيما صغار المودعين”، وهو ما فُهم على أنه رد على شكاوى متكررة تتهم بعض المصارف بمنح امتيازات غير معلنة لكبار المودعين على حساب صغارهم.
في حين ركّز الهدف الثالث على ضمان حسن سير عملية استبدال العملة، بما يحقق عدالة التوزيع ويخدم أكبر شريحة ممكنة من المواطنين.
فجوة بين التوجيهات والواقع
ورغم تحذير الحاكم من فرض عقوبات على الفروع غير الملتزمة، أكد متعاملون في تعليقاتهم أن عدداً من المصارف يُرجع تأخير السحوبات إلى نقص السيولة التي يزودها بها المصرف المركزي، الأمر الذي أدى – بحسبهم – إلى تأخير صرف مستحقات أساسية، من بينها رواتب المتقاعدين.
وختم حاكم المركزي منشوره بالتشديد على أن “استعادة الثقة بالقطاع المصرفي هي السبيل الوحيد لتوفير السيولة في الاقتصاد الوطني”، وهو ما اعتبره مراقبون اعترافاً واضحاً بأن المشكلة أعمق من كونها خللاً إدارياً عابراً.
خبراء: الأزمة تحولت إلى ضغط نقدي واسع
وفي هذا السياق، علّق الخبير الاقتصادي الدكتور محمود مفيد عبد الكريم، معتبراً أن أزمة السيولة لم تعد مسألة تشغيلية محدودة، بل تحولت إلى ضغط نقدي واسع ينعكس مباشرة على الأسعار وسعر الصرف وسلوك المتعاملين، ما يجعل عامل الزمن حاسماً في معالجتها.
وأوضح أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى تراجع حجم النقد المتداول في السوق بنسبة تتراوح بين 30 و40% خلال فترات استبدال العملة، نتيجة سحب السيولة بوتيرة أسرع من إعادة ضخها، وهو ما يظهر جلياً في عجز المصارف عن تلبية السحوبات اليومية، والتفاوت الكبير بين الفروع.
وأشار عبد الكريم إلى أن هذا الشح انعكس بشكل مباشر على الأسواق، حيث شهدت أسعار الغذاء والسلع الأساسية زيادات تراوحت بين 10% و25% خلال فترات قصيرة، حتى في أوقات شهد فيها سعر الصرف استقراراً نسبياً.
وأضاف أن بيانات السحب والإيداع تكشف نمطاً مقلقاً، يتمثل في ارتفاع السحوبات مقابل تراجع الإيداعات الجديدة، إذ تتجاوز السحوبات في بعض الفروع ضعف الإيداعات اليومية، ما يعزز ظاهرة الاكتناز ويقوض الدور الأساسي للمصارف.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة سيولة
وكان حاكم المركزي قد تناول هذه القضية في مؤتمر صحفي نهاية كانون الأول الماضي، بالتزامن مع إعلان تعليمات استبدال العملة، مؤكداً أن الأزمة ستُحل تدريجياً، وداعياً المواطنين إلى إعادة إيداع الأموال النقدية في المصارف، محذراً من مخاطر الاحتفاظ بها في المنازل.
وشدد حينها على أن ضخ النقد خارج الجهاز المصرفي دون عودته كودائع هو أحد الأسباب الرئيسية لأزمة السيولة، مؤكداً أن المصرف المركزي يعمل مع البنوك على إجراءات لاستعادة الثقة، واصفاً المشكلة بأنها “أزمة ثقة بقدر ما هي أزمة سيولة”.
اقتصاد



