الاخبار

لماذا انهارت قسد بهذه السرعة؟

في السادس من يناير/كانون الثاني 2026، اندلعت مواجهات مسلحة في مدينة حلب بين قوات الأمن التابعة للدولة السورية الجديدة ومجموعات مسلحة كانت تتحصن في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، وتتبع لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الغالبية الكردية.

لم يأتِ هذا التصعيد من فراغ، إذ شهد الحيان خلال الأشهر السابقة توترات متقطعة، في مدينة تُعد الأكبر سكاناً في سوريا وأهم مراكزها الصناعية والاقتصادية. وتشير تقديرات إلى أن إطلاق النار على مواقع الأمن هذه المرة كان يهدف إلى ممارسة ضغط سياسي على دمشق، ومحاولة عرقلة تنفيذ اتفاق العاشر من مارس/آذار 2025 الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي.

غير أن ما لم تحسبه قيادات قسد والتيارات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، هو أن هذه الخطوة ستقود إلى سلسلة تطورات متسارعة: انسحاب مسلحي قسد من حلب خلال خمسة أيام فقط، وتقدم الجيش السوري لاستعادة السيطرة على مناطق واسعة في ريف حلب الشرقي، وإصدار مرسوم رئاسي يسحب الذرائع الانفصالية من الأطراف الكردية، وصولاً إلى توقيع مظلوم عبدي اتفاقاً جديداً مع الرئيس الشرع في 18 يناير/كانون الثاني، وُصف بأنه أقرب إلى تسوية قسرية فرضتها الوقائع الميدانية.

من حلب إلى شرق الفرات

قبل يومين فقط من اندلاع الاشتباكات، وصل مظلوم عبدي إلى دمشق على رأس وفد من قيادة قسد لإجراء مباحثات مع الحكومة السورية حول تنفيذ اتفاق مارس/آذار. غير أن هذه الجولة تأجلت سابقاً بانتظار نتائج زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسط رهانات لدى قادة قسد على تغير محتمل في الموقف الأميركي يمنحهم غطاءً سياسياً للاستمرار في السيطرة على مناطقهم.

لكن هذه الرهانات لم تتحقق، واضطر عبدي إلى التوجه إلى دمشق، من دون أن تسفر اللقاءات عن اختراق حقيقي. وفي هذا السياق، يُرجح أن الجناح المتشدد داخل قسد دفع نحو تفجير الوضع في حلب لإعادة خلط الأوراق وإظهار الاتفاق وكأنه انهار عملياً.

كانت سيطرة قسد على حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود مصدر قلق دائم للقيادة السورية منذ سقوط النظام السابق في نهاية 2024، ليس فقط بسبب الخلل الأمني المتكرر، بل لأن وجود قوة مسلحة مستقلة داخل مدينة محورية بحجم حلب كان يُنظر إليه كدليل على ضعف الدولة ويغذي النزعات الانفصالية.

عملية عسكرية خاطفة

استدعت السلطات السورية عناصر كردية منخرطة في صفوفها إلى جانب وحدات من الجيش تضم جنوداً أكراداً، في محاولة لطمأنة السكان ودعوتهم إلى إخلاء الحيين مؤقتاً. ولم تستغرق العملية سوى خمسة أيام، قُتل خلالها عدد من المسلحين واستسلم آخرون، قبل أن تعلن قسد فجر 11 يناير انسحابها الكامل من حلب، وموافقتها على نقل الأسرى إلى مناطق نفوذها شرق الفرات.

لاحقاً، ومع استخدام مواقع قسد في ريف حلب الشرقي لإطلاق طائرات مسيّرة باتجاه مواقع الجيش، طالبت دمشق بإخلاء هذه المناطق أيضاً. وعندما لم تلقَ هذه الدعوات استجابة، تقدمت القوات الحكومية نحو كفر حافر ومسكنة ثم باتجاه الطبقة وسد الفرات، ونجحت بعد اشتباكات محدودة في فرض انسحاب قسد من غرب الفرات ومن سد تشرين.

في الوقت نفسه، بدأت محافظتا دير الزور والرقة تشهدان موجة انشقاقات واسعة في صفوف المقاتلين العرب المنضوين سابقاً في قسد، ولا سيما أبناء العشائر المحلية، الذين تمكنوا من السيطرة على حقول نفطية رئيسية ومواقع داخل مدينة الرقة، بالتوازي مع تقدم الجيش السوري وسيطرته على كامل المنطقتين.

ورغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار وإخلاء دير الزور والرقة، استمرت المواجهات في الجزيرة السورية نتيجة تردد بعض وحدات قسد في الانسحاب من دون ضغط عسكري مباشر. وتصاعد التوتر بعدما أُفرج عن مئات من معتقلي تنظيم الدولة من سجن الشدادي، وأُخلي مخيم الهول من دون تسليمه للحكومة، وهو ما اعتبرته دمشق محاولة للابتزاز السياسي وإثارة مخاوف الغرب.

تراجع المعنويات وتفكك البنية

بحلول 19 يناير، كانت القوات السورية قد أحكمت سيطرتها على الشدادي، ثم طوقت مدينة الحسكة من ثلاث جهات، وبدأت التقدم باتجاه عين العرب (كوباني). هذا التقدم السريع طرح تساؤلات واسعة حول هشاشة البنية العسكرية لقسد وتراجع إرادة القتال لدى عناصرها.

تعود نشأة قسد إلى عام 2015 بدعم أميركي، بعد توسع وحدات حماية الشعب التي تأسست كذراع عسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي، المرتبط تنظيمياً بحزب العمال الكردستاني. وعلى الرغم من ضمها عشرات الآلاف من المقاتلين العرب والسريان، بقي القرار العسكري والسياسي بيد القيادات الكردية، مع حضور مؤثر لعناصر قادمة من جبال قنديل.

ويرى مراقبون أن أسلوب الإدارة في مناطق الجزيرة، وشكاوى السكان العرب من التهميش، إضافة إلى حياد القوات الأميركية خلال المواجهة الأخيرة، كلها عوامل عجّلت بانهيار تماسك قسد، ودَفعت أعداداً كبيرة من مقاتليها إلى الاستسلام أو الانشقاق.

المسار السياسي والضغوط الدولية

حرصت دمشق منذ بداية العمليات على إدارة الملف عسكرياً وسياسياً في آن واحد، فأبلغت واشنطن وأنقرة بتفاصيل التحركات، ونسقت مع عواصم إقليمية عدة. وفي منتصف يناير، أصدر الرئيس الشرع مرسوماً يعالج القضية الكردية، ألغى بموجبه آثار إحصاء 1962، وأقر حقوقاً ثقافية ولغوية للأكراد، واعترف بعيد النيروز عطلة وطنية، في خطوة لاقت ترحيباً داخلياً وخارجياً.

في موازاة ذلك، تحرك المبعوث الأميركي توم براك لإحياء اتفاق مارس/آذار، وعقد لقاءات مع مظلوم عبدي بوساطة مسعود بارزاني، انتهت باتفاق مُلحق ينص على إخلاء الرقة ودير الزور، وعودة مؤسسات الدولة إلى الحسكة، وبدء ترتيبات دمج عناصر قسد في الجيش والأمن بشكل فردي.

غير أن تعثر التنفيذ وعودة الخلافات دفع دمشق إلى مواصلة تعزيز قواتها في محيط الحسكة وعين العرب، مع تمديد محدود لوقف إطلاق النار تفادياً لتصعيد واسع.

مستقبل قسد وشمال شرق سوريا

تخلص القراءة العامة للمشهد إلى أن قسد فقدت معظم مقوماتها العسكرية والسياسية بعد فقدان السيطرة على مساحات شاسعة غرب الفرات وفي الجزيرة، وانسحاب الدعم الأميركي المباشر، وانشقاق آلاف المقاتلين العرب. كما عاد النقاش داخل الأوساط الكردية حول جدوى المشروع الانفصالي، الذي يرى كثيرون أنه تراجع مع قيام الدولة السورية الجديدة وإعادة بناء مؤسساتها.

ومع استمرار حالة الترقب خلال فترة الهدنة، تبدو دمشق مصممة على استعادة السيطرة الكاملة على محافظة الحسكة إذا لم يُنفذ اتفاق الاندماج سريعاً، مع التأكيد – وفق تصريحات رسمية – على السعي لتجنب إلحاق أضرار بالمدنيين وتقليل كلفة أي مواجهة محتملة.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى