الجزيرة السورية أمام تحوّل جديد : استعادة الحياة ليست ميسّرة

على امتداد عقود، كانت المنطقة الشرقية من سورية، التي تضم محافظات دير الزور والحسكة والرقة، خزّان الثروات الأساسي للبلاد، وفي الوقت نفسه إحدى أكثر مناطقها تهميشًا وفقرًا.
مفارقة قاسية جعلت هذه الجغرافيا مثالًا حيًّا على إخفاق السياسات المركزية وخطط التنمية، حيث ظلّ العائد الاقتصادي بعيدًا عن السكان، رغم ما كانت تعلنه الحكومات المتعاقبة من أرقام نمو مرتفعة.
فبينما كانت المؤشرات الرسمية تتحدث عن تحسّن اقتصادي، كان أهالي هذه المحافظات يرزحون تحت أعباء الفقر والبطالة، وتتآكل مصادر رزقهم، ولا سيما مع موجات الجفاف المتتالية التي ضربت الزراعة، في وقت واصلت فيه الحكومة رفع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي تحت مسمّى “إصلاح السياسات الاقتصادية”، ما زاد الخناق على المزارعين بدل إنقاذهم.
الحرب تكشف عمق الأزمة
مع اندلاع الحرب، لم تُنشئ الأزمة واقعًا جديدًا بقدر ما كشفت هشاشة الواقع القائم أصلًا.
فقد تعمّقت معاناة المنطقة الشرقية مع نزوح عشرات آلاف العائلات، وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والحرمان، إلى جانب نهب الموارد الطبيعية وتخريب البنية الاقتصادية على أيدي قوى محدودة العدد.
لهذا، فإن ما تواجهه الحكومة الانتقالية اليوم يتجاوز بكثير الحديث عن “انتعاش اقتصادي” مرتبط بعودة السيطرة على حقول النفط والغاز.
فالتحدّي الحقيقي يكمن في تلبية تطلعات سكان هذه المحافظات، بدءًا من ضمان الوصول إلى الخدمات الأساسية وتحسين جودتها، وصولًا إلى خلق فرص دخل حقيقية تمكّن الأسر من تأمين متطلبات العيش الكريم.
خزّان الموارد… بأرقام ما قبل الحرب
حتى نهاية عام 2010، شكّل سكان المحافظات الثلاث نحو 17.2% من إجمالي سكان سورية، في حين لم تتجاوز مساهمة المنطقة في الناتج المحلي الإجمالي ربع الاقتصاد الوطني بقليل. وكانت الحسكة من بين المحافظات الأعلى مساهمة اقتصاديًا، تلتها دير الزور، بينما جاءت الرقة في مرتبة متأخرة نسبيًا.
وتشير بيانات بحثية مستقلة إلى أن الحسكة ودير الزور تصدرتا البلاد في قطاع التعدين واستخراج المحروقات، حيث استحوذت الحسكة وحدها على ما يقارب ثلث الناتج المحلي لهذا القطاع، فيما جاءت دير الزور في المرتبة الثالثة. أما الرقة، فبقي حضورها النفطي محدودًا مقارنة بالمحافظتين الأخريين.
وفي القطاع الزراعي، احتلت المحافظات الشرقية مواقع متقدمة أيضًا، إذ ساهمت مجتمعة بما يقارب 31% من الناتج المحلي الزراعي على مستوى البلاد. وارتبط اسم المنطقة تاريخيًا بإنتاج القمح والقطن وتربية الثروة الحيوانية، حيث كانت تنتج أكثر من نصف محصول القمح الوطني، ونحو ثلاثة أرباع إنتاج القطن، إضافة إلى احتضانها لما يقارب ثلث قطيع الأغنام في سورية.
نفط وغاز… قلب الطاقة السورية
قبل الأزمة، كان نحو 93.5% من إنتاج النفط السوري يأتي من حقول المنطقة الشرقية، بإنتاج يومي تجاوز 360 ألف برميل، توزعت بشكل أساسي بين الحسكة ودير الزور، مع حصة محدودة للرقة.
كما شكّلت المنطقة ما يقارب 38% من إنتاج البلاد من الغاز الطبيعي، ونحو 70% من إنتاج الغاز المسال.
هذه الأرقام جعلت المنطقة محورًا رئيسيًا في معادلة الطاقة السورية، لكنها لم تنعكس تحسنًا ملموسًا في معيشة السكان، الذين ظلوا يعانون من الفقر، بل وسُجّلت فيها معدلات مرتفعة من الفقر الشديد مقارنة ببقية المحافظات، وفق مسوح رسمية سبقت عام 2010.
خسائر الحرب: البشر قبل الحجر
خلال سنوات الصراع، تكبّدت المنطقة الشرقية خسائر اجتماعية واقتصادية هائلة يصعب حصرها بدقة، نتيجة تعدد القوى المسيطرة وتغيّر خرائط النفوذ. وتشير تقديرات بحثية إلى نزوح نحو نصف مليون شخص من محافظات المنطقة، سواء داخلها أو باتجاه محافظات أخرى، إلى جانب ارتفاع غير مسبوق في البطالة وانعدام الأمن الغذائي.
كما تضرّرت الأراضي الزراعية بفعل التلوث الناتج عن المصافي البدائية، ونقص المياه ومستلزمات الإنتاج، ما أدى إلى تراجع إنتاج المحاصيل الأساسية، ودفع كثيرًا من المزارعين إلى التحول نحو زراعات أقل كلفة وأعلى ربحية، على حساب الأمن الغذائي.
أما الخسارة الأكبر على مستوى البلاد، فتمثلت في الأضرار التي لحقت بقطاع النفط، سواء عبر التخريب أو الاستغلال غير المشروع.
وتُقدّر الخسائر الرسمية في هذا القطاع بأكثر من 116 مليار دولار، تشمل نهب المعدات وتدمير الآبار، إضافة إلى خسائر بيع النفط خارج الأطر القانونية.
وتشير تقديرات بحثية إلى أن الاستخدام غير الرسمي للنفط والغاز حتى نهاية عام 2019 شكّل نزفًا كبيرًا لثروة وطنية كان من المفترض أن تدعم الاقتصاد السوري.
استعادة السيطرة… تحدٍّ لا مكسب فوري
انطلاقًا من ذلك، فإن استعادة الحكومة الانتقالية السيطرة على المنطقة الشرقية، أياً كانت صيغة الاتفاق، تمثل اختبارًا بالغ الصعوبة قبل أن تكون مكسبًا اقتصاديًا. فإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل عام 2011 تتطلب رؤية طويلة الأمد تبدأ بترسيخ السلم الأهلي، وتشجيع عودة النازحين، ثم إعادة إحياء القطاع الزراعي، بالتوازي مع تأهيل حقول النفط والبنية التحتية المرتبطة بها.
وبحسب خبراء في قطاع الطاقة، فإن إعادة تشغيل الحقول النفطية تدريجيًا تحتاج إلى استثمارات بمئات ملايين الدولارات، فضلًا عن بيئة سياسية وأمنية مستقرة تضمن استدامة الإنتاج وعدالة توزيع عوائده.
فثروة المنطقة، التي “طار” خيرها لعقود، لن تعود إلى أهلها إلا بسياسات مختلفة جذريًا عمّا سبق.
الأخبار



