عودة حمشو.. الغضب الشعبي يتجدد مع محاولات إعادة التعويم

أثار الظهور العلني المتجدد لرجل الأعمال محمد حمشو، عقب توقيعه خلال الأيام الماضية على ما وُصف بـ«تعهد» وبعد فترة طويلة من الغياب، موجة واسعة من الغضب والاستياء في الشارع السوري. وجاءت ردود الفعل هذه في ظل السجل الاقتصادي والسياسي المرتبط باسمه، وعلاقته الوثيقة بالنظام السابق، وما مثّله بالنسبة لكثيرين من رمزية للاستفادة من منظومة الفساد والاحتكار.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه السوريون يرزحون تحت آثار المرحلة الماضية، على المستويات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل أي محاولة لإعادة شخصيات محسوبة على السلطة السابقة إلى الواجهة العامة بمثابة استفزاز مباشر لذاكرة جماعية لم تلتئم جراحها بعد.
عودة عبر بوابة «التسوية»
وبحسب ما يتم تداوله في الأوساط العامة، فإن عودة حمشو جاءت من خلال مسار «تسوية»، الأمر الذي فتح بابًا واسعًا من التساؤلات والاعتراضات حول طبيعة هذه التسويات، ومعاييرها، والجهات التي تحدد من يحق له العودة إلى الحياة العامة ومن يُستبعد، ولماذا يُطلب من المجتمع تقبّل شخصيات ارتبط اسمها بالفساد ودعم القمع وكأن شيئًا لم يكن.
ويعبّر فراس الحمدان، وهو موظف من ريف دمشق، عن هذا الشعور بقوله إن «الناس ليست ضد المصالحة من حيث المبدأ، لكنها ترفض فرضها بهذا الشكل، وترفض إعادة تدوير أسماء معروفة بتاريخها وكأنها ضحية». ويضيف أن ما يحدث يوحي وكأن الذاكرة الجماعية يُراد لها أن تُمحى بقرار إداري.
من جهتها، ترى ريم جمعة أن عودة حمشو تتجاوز كونها مسألة فردية، معتبرة أنها تحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن القرب من السلطة السابقة كان وما يزال يشكل شبكة أمان، بينما دفعت الغالبية ثمن المرحلة الماضية. وتشير ريم إلى أن الغضب الشعبي لا يقتصر على اسم واحد، بل يشمل كل الشخصيات التي يُعاد طرحها اليوم تحت عناوين مثل «التسوية» أو «طي الصفحة».
احتجاجات ورفض علني

في هذا السياق، شهدت دمشق قبل أيام وقفة احتجاجية أمام مقر «لجنة الكسب غير المشروع»، بدعوة من مواطنين قالوا إنهم تضرروا بشكل مباشر من سياسات القمع والفساد التي سادت لعقود. ورفع المشاركون شعارات ترفض أي تسويات تفتقر إلى العدالة والشفافية، خصوصًا تلك التي تشمل شخصيات اقتصادية كانت جزءًا أساسيًا من بنية النظام السابق.
وأكد المحتجون أن التسوية المرتبطة بمحمد حمشو تثير مخاوف حقيقية من إعادة تعويم شخصيات متورطة في ملفات فساد كبرى، وإعادة إنتاج نموذج اقتصادي غير عادل، قائم على الامتيازات والإفلات من المحاسبة.
وتقول ميساء درويش، إحدى المشاركات في الوقفة، إن المحتجين لا يطالبون بالانتقام، بل بأبسط مقومات العدالة، وهي الاعتراف، والمحاسبة، وضمان عدم الإفلات من العقاب. وتضيف أن تجاهل هذه العناصر يعني تهيئة الظروف لتكرار الكارثة نفسها، وإن بأسماء أعيد تدويرها.
أما الناشط المدني أحمد السالم، فيؤكد أن رسالة الوقفة كانت واضحة: «لا تسوية تُفرض فوق رؤوس الناس». ويشير إلى أن المنظمين التزموا بالإجراءات القانونية، وقدموا طلبًا رسميًا للتظاهر، في محاولة لتأكيد أن الاعتراض سلمي ومشروع.
مخاوف من عودة وجوه أخرى
ولم يتوقف الغضب الشعبي عند اسم محمد حمشو، بل ازداد مع تداول أنباء عن احتمال عودة رجال أعمال آخرين، من بينهم سامر الفوز، ما عمّق القلق من أن تكون المرحلة المقبلة إعادة إنتاج للنخبة الاقتصادية ذاتها، لكن بواجهة «مُسوّاة».
ويعبّر أحمد زكور، وهو تاجر سيارات من دمشق، عن هذا القلق بالقول إن ما يجري لا يحمل جديدًا حقيقيًا، سوى إعادة تدوير الحلقة نفسها التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه، مضيفًا أن السوريين كانوا يأملون بتغيير فعلي، لا بتغيير شكلي في الأسماء.
فجوة بين الشارع والمسار المفروض
تعكس هذه التطورات فجوة واضحة بين تطلعات الشارع السوري، الذي يطالب بالعدالة والمحاسبة، وبين مسارات سياسية واقتصادية يُنظر إليها على أنها مفروضة من الأعلى، ولا تأخذ في الاعتبار المزاج العام ولا الذاكرة الجمعية.
وفي استطلاع غير رسمي شمل آراء عدد من المواطنين، عبّر كثيرون عن رفضهم القاطع لعودة شخصيات محسوبة على النظام السابق إلى المشهد العام، مؤكدين أن أي مصالحة حقيقية لا يمكن أن تقوم على تعهدات غامضة أو صفقات خلف الأبواب المغلقة، بل على محاسبة شفافة ومسار عدالة واضح.
وفي ظل هذا المشهد، يجد السوريون أنفسهم مجددًا أمام معادلة معقدة: خطاب يدعو إلى طي صفحة الماضي، وواقع يعيد فتحها بالأسماء ذاتها، في وقت لم تُكتب فيه بعد سطور العدالة، ولم تُغلق ملفات المرحلة السابقة
الحل



