الاخبار

معركة حلب بين دمشق و”قسد” : انهيار مبدأ التفاوض أم قواعد جديدة له؟

يرى محللون أن دخول القوات الحكومية إلى حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب لم يؤدِّ إلى تحوّل جذري في ميزان القوة القائم بين دمشق وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، بقدر ما حمل أبعادًا معنوية وسياسية تتجاوز حدود المعركة ذاتها.

فانسحاب “قسد” من الحيين خلّف، وفق مراقبين، حالة ارتباك داخل بنيتها التنظيمية، وأظهرها بمظهر العاجز أمام قاعدتها الشعبية، في مقابل حصول الحكومة السورية على دفعة معنوية سارعت إلى استثمارها ميدانيًا، خاصة في منطقة دير حافر غرب نهر الفرات، في خطوة يراها البعض تمهيدًا لتحركات أوسع مستقبلًا.

لكن هذه التطورات، بحسب تقديرات سياسية، لم تكن منفصلة عن حسابات إقليمية ودولية دقيقة، سمحت لدمشق بتحقيق تقدم محدود في حلب، مع ضبط إيقاع الصراع بحيث لا ينفلت نحو مواجهة شاملة.

ويُعتقد أن هناك تفاهمًا غير معلن يقضي بعودة مناطق سيطرة “قسد” غرب الفرات إلى الحكومة، مقابل احتفاظ القوات الكردية بثقلها السياسي والعسكري شرق النهر، ضمن معادلة الشراكة الدولية في محاربة الإرهاب، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا بشأن الاندماج، استنادًا إلى تفاهمات ما بعد اتفاق مارس.

صراع مضبوط ورسائل متعددة الاتجاهات

المحلل السياسي إبراهيم العلي يرى أن تحركات الحكومة في حلب جرت ضمن سقوف واضحة رسمتها قوى إقليمية ودولية، دون ممارسة ضغوط حقيقية على دمشق، في حين لم تدفع “قسد” بكامل قدراتها العسكرية، وكأن الطرفين يدركان حدود الاشتباك المسموح به.

ويشير العلي إلى أن أحد أبرز نقاط الضعف البنيوية لدى “قسد” تمثّل في استثمار دمشق للورقة العشائرية العربية داخل صفوفها، ما أسهم في إحداث خرق ميداني في حي الأشرفية، بعد تعاون عناصر محلية مع القوات الحكومية.

ويضيف العلي أن التحرك الدولي المواكب لمعركة حلب لعب دورًا في كبح التصعيد، عبر الدعوات إلى التهدئة.

فباستثناء تركيا التي دفعت باتجاه التصعيد، سارعت دول أخرى، مثل فرنسا، إلى فتح قنوات تواصل مباشرة مع دمشق، مستفيدة من علاقاتها مع “قسد”، في حين برز دور إقليمي كردي في محاولة الحفاظ على التوازنات القائمة.

أما الموقف الأمريكي، فبدا الأكثر حذرًا، حيث أكد الرئيس الأمريكي على علاقات بلاده مع الطرفين، بينما ربط المبعوث الأمريكي إلى سورية التطورات بالمرحلة الانتقالية، مشددًا على أهمية بناء دولة موحدة ومؤسسات جامعة تضمن حقوق جميع المكونات، دون منطق الغالب والمغلوب.

حسابات واشنطن وتوقعات المرحلة المقبلة

هذا الموقف، وفق العلي، يعزز الثقة بالحكومة السورية، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على مكانة “قسد” كشريك رئيسي للولايات المتحدة في ملف مكافحة تنظيم “داعش”.

ويرجح أن تسمح واشنطن لدمشق بتوسيع نفوذها غرب الفرات، بدءًا من دير حافر، في إطار تفاهمات غير مباشرة، مقابل انسحابات تدريجية لـ“قسد”، بما يحقق مكاسب معنوية للحكومة دون كسر التوازن الدولي القائم.

رسائل انزعاج أمريكية وشكوك بالمستقبل

من جهته، يرى المحلل السياسي سميح الفاضل أن فشل جولة المفاوضات الأخيرة بين دمشق و“قسد” دفع واشنطن إلى توجيه رسائل حازمة لقيادة القوات الكردية، وهو ما انعكس بالسماح الضمني للعملية الحكومية في حلب.

ويشكك الفاضل في إمكانية استمرار الشراكة طويلة الأمد بين الولايات المتحدة و“قسد”، معتبرًا أن الحكومة السورية باتت تؤدي دورًا متقدمًا في مكافحة الإرهاب، ما قد يجعلها الخيار المفضل لواشنطن مستقبلًا.

“قسد” رقم صعب في المعادلة

في المقابل، يؤكد المفكر الكردي كاوا مسعود أن “قسد” ستبقى لاعبًا أساسيًا في المشهد السوري، مدعومة من الولايات المتحدة وفرنسا ودول أوروبية أخرى. ويرى أن انسحابها من حيي الأشرفية والشيخ مقصود جاء نتيجة تفاهمات دولية راعت البعد المدني، ومنعت انزلاق الأوضاع نحو سيناريوهات دموية واسعة.

ويحذر مسعود من التقليل من قدرات “قسد” العسكرية، خاصة في مناطق مثل دير حافر وشرق الفرات، حيث تتداخل الحسابات الدولية مع وجود قواعد أمريكية وسجون تضم آلاف مقاتلي “داعش”، فضلًا عن الحضور الروسي، ما يجعل أي مواجهة شاملة محفوفة بالمخاطر.

ويخلص إلى أن واشنطن لن تسمح بامتداد المسار العسكري إلى شرق الفرات، معتبرًا أن “قسد” لا تزال الورقة الأهم في معركة القضاء على “داعش”، وأنها ستسعى لفرض شروطها استنادًا إلى الدعم الدولي القائم.

RT

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى