ما هو حزب التحرير الذي بدأت سورية بمحاكمة أعضائه؟

عبدالرزاق المصري شاب سوري من مواليد عام 1985، ينحدر من مدينة جسر الشغور في ريف إدلب.
كان يدرس في كلية الزراعة عندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية ضد نظام حزب البعث عام 2011، ليلتحق بالحراك المعارض منذ مراحله الأولى.
وخلال تلك الفترة، انضم إلى حزب التحرير، وهو تنظيم سياسي فكري يدعو إلى إقامة الخلافة الإسلامية عبر العمل الدعوي والسياسي، ويؤكد في أدبياته أنه لا يعتمد العمل المسلح وسيلة لتحقيق أهدافه.
في عام 2017، برز اسم المصري خلال مشاركته في احتجاجات مناهضة لهيئة تحرير الشام، التي كانت آنذاك القوة العسكرية الأبرز في إدلب.
وبسبب نشاطه المعارض للهيئة، تعرّض للاعتقال أكثر من مرة، كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أي قبل نحو شهر من انطلاق عملية “ردع العدوان”.
ومع نهاية عام 2025، أعلنت عائلة عبدالرزاق المصري، عبر بيان رسمي، أن السلطات السورية أصدرت حكماً يقضي بسجنه عشر سنوات.
ووصفت العائلة الحكم بأنه “جائر”، مؤكدة أنها لا تنتمي إلى حزب التحرير ولا تتبنى أفكاره.
في المقابل، لم تصدر وزارة العدل السورية توضيحاً رسمياً بشأن أسباب الحكم، ما ترك تساؤلات مفتوحة حول خلفيات القضية، وهل ترتبط بانتمائه الفكري، أو بنشاطه السابق في إدلب، أو بعوامل أخرى أوسع تتعلق بالحزب نفسه وعلاقته بالسلطة.

حزب التحرير: النشأة والفكر والانتشار
حزب التحرير تنظيم سياسي عابر للحدود، تأسس عام 1953 في مدينة القدس على يد القاضي تقي الدين النبهاني.
ويعرّف الحزب نفسه كحركة فكرية سياسية تسعى إلى “حمل الدعوة الإسلامية” و”استئناف الحياة الإسلامية”، مع التشديد على العمل الفكري والإعلامي، ورفض اللجوء إلى العنف أو النشاط العسكري.
قاد النبهاني الحزب حتى وفاته عام 1977، بعد مسيرة علمية شملت الدراسة في إسطنبول ثم في الأزهر الشريف بمصر.
ومنذ تأسيسه، ركّز الحزب نشاطه في الدول ذات الغالبية المسلمة، بهدف إقامة دولة الخلافة بوسائل سلمية، وفق رؤيته.
ويؤكد الحزب امتلاكه حضوراً تنظيمياً وإعلامياً في عشرات الدول، من بينها سوريا وفلسطين ولبنان والأردن، إضافة إلى تركيا وباكستان وعدد من الدول الآسيوية، فضلاً عن وجوده في بعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا وألمانيا. وتشير بياناته الرسمية إلى نشاطه في أكثر من 70 دولة حول العالم.
في المقابل، حُظر حزب التحرير في عدد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية، بدعوى تهديد الأمن القومي أو الترويج لأفكار متطرفة قد تفتح الباب أمام العنف. وتعرّض أعضاؤه للاعتقال في دول عدة، منها تركيا وبنغلاديش، فيما تناقش أستراليا إدراجه على قوائم الإرهاب.
حزب التحرير في السياق السوري
يمتد حضور حزب التحرير في سورية إلى ستينيات القرن الماضي، حيث نشط في مدن كبرى مثل دمشق وحلب وحمص وحماة. إلا أن نشاطه تراجع بشكل كبير خلال عقود حكم حزب البعث، قبل أن يعاود الظهور بعد عام 2012 في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السابق.
وخلال تلك المرحلة، استفاد الحزب من هامش الحرية النسبي في مناطق المعارضة، لكنه سرعان ما دخل في صدام فكري وسياسي مع قوى معارضة مختلفة، بما فيها فصائل محسوبة على “الجيش السوري الحر”، وأخرى ذات توجهات إسلامية متشددة، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام.
وانتقد حزب التحرير بشدة سياسات الهيئة، لا سيما تحالفاتها الإقليمية وعلاقتها مع تركيا، واعتبر أنها تعيق فتح الجبهات ضد النظام.
في المقابل، يرى مراقبون أن الهيئة كانت تعتمد استراتيجية مختلفة قائمة على التمهيد الهادئ، قبل أن تطلق لاحقاً عملية “ردع العدوان” التي شكّلت تحولاً كبيراً في المشهد العسكري.
أحكام ما بعد سقوط الأسد
بعد إسقاط نظام بشار الأسد، لم يسجل لحزب التحرير نشاط علني واسع، غير أن نهاية عام 2025 شهدت تسليط الضوء على محاكمات جرت في إدلب بحق عدد من أعضائه، كان أبرزها الحكم الصادر بحق عبدالرزاق المصري.
وأثار هذا الحكم جدلاً واسعاً في الأوساط السورية، خصوصاً أنه تزامن مع الإفراج عن شخصيات محسوبة على النظام السابق، ما فتح باب التساؤل حول طبيعة العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة، ومعايير المحاسبة المعتمدة.
خلاف أيديولوجي مفتوح
يرى الصحافي السوري حسام المحمود أن هذه الأحكام تعود إلى ملف قديم بقي معلقاً لأكثر من عامين، ولم يُحسم بعد سقوط النظام.
ويشير إلى أن الخلاف الجوهري بين حزب التحرير وهيئة تحرير الشام هو خلاف فكري وأيديولوجي بالدرجة الأولى، ما جعل أعضاء الحزب عرضة للتضييق والاعتقال، خاصة خلال عام 2024 الذي شهد احتجاجات واسعة في إدلب طالبت بالإفراج عن المعتقلين.
ويضيف أن استمرار احتجاز معارضين للنظام السابق، في وقت يُفرج فيه عن موقوفين من أتباع الأسد، يثير انتقادات داخلية حادة، ويضع علامات استفهام حول توازن العدالة.
ملف قيد المراجعة
وبحسب المحمود، فإن هذا الملف ينبغي أن يُنقل إلى عهدة وزارة العدل، بعد حل هيئة تحرير الشام ككيان فصائلي، مع ضرورة التأكيد على عدم وجود معتقلي رأي في سوريا الجديدة، وضمان المعاملة الإنسانية للسجناء.
ويشير إلى أن زيارة وزير الداخلية الأخيرة لسجون إدلب تعكس إدراك الحكومة لحساسية هذا الملف، وأنه بات مطروحاً للنقاش والمراجعة.
اندبندت عربية


