“اقتصاد الولاء”.. كيف تحوّلت رواتب السوريين إلى نظام مكافآت سياسي

مع نهاية كل شهر، لا يترقّب السوريون موعد الراتب بوصفه دخلاً فقط، بل كإجابة ضمنية عن سؤال أكبر: هل ما زالوا مواطنين داخل دولة، أم مجرد أفراد على هامش منظومة جديدة تقوم على القرب والولاء؟
بين تصريحات رسمية تتحدث عن “زيادات تاريخية” وواقع معيشي يزداد اختناقًا، تتسع فجوة لم تعد اقتصادية فحسب، بل باتت تحمل أبعادًا سياسية واجتماعية، تعيد فرز العاملين داخل مؤسسات الدولة وفق معايير غير معلنة، لا علاقة لها بالكفاءة أو الخبرة، بقدر ارتباطها بالمسار السياسي والانتماء.
هذا التحقيق، المستند إلى شهادات موظفين حاليين وسابقين، وآراء مختصين اقتصاديين، ومصادر مطلعة، يرصد كيف تحولت سياسة الأجور من أداة إدارية إلى وسيلة ضبط وإدارة، وكيف يُقدَّم التفاوت الوظيفي بوصفه “إصلاحًا”، بينما يجري فعليًا إنتاج دولة بطبقات وظيفية غير مصرح بها.
“نقبض كل شهر ونصف”… بداية الانكسار
يقول أبو محمد، الموظف في مؤسسة الكهرباء منذ أكثر من عقدين، إن راتبه بعد كل “التعديلات” لا يتجاوز مليونًا ونصف المليون ليرة. يمضي الرجل ساعات طويلة في العمل كما كان يفعل سابقًا، لكن الفارق اليوم لا يقتصر على تآكل الدخل، بل على تغيّر موقعه داخل المؤسسة.
يضيف بحسرة: “المؤلم ليس الفقر وحده، بل أن أرى موظفًا جديدًا، عُيّن لأنه مقرّب من السلطة، يتقاضى أكثر من 900 دولار، بينما نقوم بالعمل نفسه”.
هذه الشهادة تتكرر في وزارات خدمية عدة، حيث يؤكد موظفون أن رواتبهم لا تُصرف بانتظام، أحيانًا كل شهر ونصف أو أكثر، في وقت تتصدّر فيه عناوين الإعلام أرقام عن زيادات “غير مسبوقة”.
من استفاد فعليًا من الزيادات؟
بحسب مصادر متقاطعة، فإن القفزات الكبيرة في الرواتب لم تشمل عموم العاملين في الدولة، بل انحصرت في أجهزة ومؤسسات محددة، أبرزها الأمانة العامة للشؤون السياسية، حيث وصلت رواتب بعض العاملين إلى ما بين 800 و1000 دولار.
كما جرى تعيين كوادر قادمة من مناطق الشمال الغربي برواتب بالدولار، مع بدلات سكن وتعويضات إضافية. في المقابل، بقيت رواتب المديرين والموظفين “التقليديين” على ملاك الدولة عند حدود لا تتجاوز 150 دولارًا، بينما لا يزال آلاف الموظفين يتقاضون أقل من ذلك بكثير.
يعلّق أحد موظفي الوزارات الخدمية بالقول: “في المؤسسة نفسها نظامان للأجور، أحدهما بالليرة والآخر بالدولار… الفارق ليس الأداء، بل الخلفية”.
أرقام كبيرة… وأثر شبه معدوم
منذ بدء المرحلة الانتقالية، تكررت التصريحات الرسمية عن زيادات تصل إلى مئات أو آلاف بالمئة.
غير أن قراءة بسيطة تكشف أن هذه الأرقام حسابية فقط، ولا تعكس تحسنًا حقيقيًا في القدرة الشرائية.
الخبير الاقتصادي يونس الكريم يصف هذه الزيادات بأنها “تضخيم لغوي بلا مضمون اقتصادي”، موضحًا أن رفع الراتب الاسمي تزامن مع رفع الدعم وارتفاع التضخم، ما جعل المواطن يشعر بمزيد من الضغط لا التحسن.
ويضيف أن غياب الشفافية في أرقام الموازنة وكتلة الأجور يجعل هذه التصريحات أقرب إلى تسويق سياسي منها إلى سياسة اقتصادية قابلة للتقييم.
حين يتحول الراتب إلى أداة فرز
يرى خبراء أن الخطر لا يكمن في التفاوت بحد ذاته، بل في تحوّل الأجر إلى معيار ولاء. فبحسب الكريم، تشكّل اليوم ما يشبه نظامًا ثلاثيًا للأجور: نواة صلبة مرتبطة بالسلطة برواتب مرتفعة، كوادر جديدة برواتب متوسطة، وجهاز إداري قديم يعيش على الليرة المنهكة.
هذا الترتيب لا يخلق فجوة دخل فقط، بل يعيد تشكيل المجتمع الوظيفي، ويقوض ما تبقى من مفهوم الدولة كجهاز محايد.
“طبقتان في المكان نفسه”
في أحد المشافي الحكومية، يصف فني صحي المشهد بقوله: “نحن طبقتان لا تلتقيان إلا في الممرات.
نعمل في المكان ذاته، لكن حياتنا مختلفة بالكامل”.
يتابع: “زميلي الجديد يستطيع شراء سيارة، وأنا أفكر ألف مرة قبل شراء كيلو لحم”.
الفصل الوظيفي… الوجه الأقسى
إلى جانب تدني الرواتب، هناك شريحة واسعة حُرمت من أي دخل بعد فصلها أو إيقاف رواتبها تحت عناوين “إعادة هيكلة” أو “تدقيق”، وسط اتهامات بأن القرارات اتخذت بدوافع سياسية.
وهكذا تشكّلت معادلة قاسية: موظف قديم بدخل متآكل، موظف مفصول بلا دخل، وموظف جديد بامتيازات عالية.
دولة أم منظومة ولاءات؟
عندما تُدار الأجور بمنطق الثقة السياسية لا بالقانون، وتُقدَّم الامتيازات الفئوية كإنجاز عام، تصبح المشكلة بنيوية لا رقمية.
وحتى يتم اعتماد سلالم رواتب موحدة وشفافة، ومعايير واضحة للتعيين والفصل، سيبقى الإحساس السائد، كما تقول إحدى الموظفات: “نحن نعمل في مؤسستين داخل المكان نفسه… واحدة تعيش لتشبع، وأخرى تعمل لتبقى على قيد الانتظار”.
هاشتاغ



