الأوروبيون يستعدون للحرب

تعيش القارة العجوز حالة من الاستنفار غير المسبوق، حيث لم تعد التحذيرات من صدام عسكري مع روسيا مجرد سيناريوهات دفاعية، بل أصبحت خطاباً يومياً يتصدر واجهة الأحداث. فقد أطلق الأمين العام لحلف “الناتو”، مارك روته، صرخة تحذير مدوية من برلين، مؤكداً أن أي مواجهة قادمة لن تقتصر على الجبهات، بل قد تطرق أبواب كل منزل في أوروبا، مخلفةً دماراً يذكرنا بمآسي الحرب العالمية الثانية.
صراع الإرادات: بين طموحات بوتين ومخاوف “السوديت” الجديدة
في المقابل، لا يبدو الكرملين في وارد التراجع؛ إذ لوّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بخيار “التحرير العسكري” للأراضي التي يراها تاريخية لبلاده في حال انسداد أفق الدبلوماسية. هذا التصعيد يعيد إلى الأذهان الأوروبية ذكريات “سياسة الاسترضاء” عام 1938، حين ظنت القوى الكبرى أن التنازل عن أجزاء من تشيكوسلوفاكيا لهتلر سيمنع الحرب، فكانت النتيجة اشتعال العالم بأسره.
اليوم، يرفض القادة الأوروبيون تكرار الخطأ ذاته، ويرون في أي تسوية تفرض على أوكرانيا التنازل عن أراضيها ضوءاً أخضر لبوتين للتوسع نحو دول البلطيق وبولندا وفنلندا.
زلزال “ترامب”: عندما ترفع واشنطن غطاءها عن القارة العجوز
بينما تشعر أوروبا بالخطر شرقاً، تتلقى صدمة أخرى من الغرب. فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدأت عملياً في تطبيق استراتيجية “أمريكا أولاً”، محولةً العلاقة الدفاعية من التزام قيمي إلى “صفقة تجارية”.
أبرز ملامح التحول الأمريكي:
رفع الفاتورة: المطالبة بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي.
الانسحاب العسكري: تقليص عدد القوات الأمريكية في رومانيا وألمانيا وإعادة تموضعها.
الضغط السياسي: ممارسة ضغوط على كييف للقبول بشروط موسكو، مما وضع الأوروبيين في موقف المحامي الوحيد عن القضية الأوكرانية.
ولم تكتفِ واشنطن بالانسحاب العسكري، بل وجهت طعنة “هوياتية” لأوروبا عبر استراتيجية الأمن القومي 2025، التي وصفت القارة بأنها تعاني من “شيخوخة ديمغرافية وأزمة هوية”، ملمحةً إلى دعم تيارات سياسية معينة لتصحيح ما وصفته بـ “المسار الحضاري”.
التحدي الداخلي: الشيخوخة والسلاح
لا تواجه أوروبا تهديداً عسكرياً فحسب، بل تخوض حرباً ضد “الزمن” و”الديموغرافيا”. فمع انخفاض معدلات الخصوبة إلى مستويات قياسية (1.38 ولادة لكل امرأة)، تجد القارة نفسها أمام معضلة كبرى:
اقتصادياً: نقص حاد في الأيدي العاملة وتراجع معدلات النمو.
عسكرياً: صعوبة في تجنيد الشباب وتجهيز جيوش قادرة على الصمود في حرب استنزاف طويلة.
هذا الواقع دفع دولاً مثل فرنسا وألمانيا لإعادة النظر في قوانين التجنيد الإلزامي ورفع ميزانيات التصنيع العسكري، في محاولة لردم الهوة التي تركها التراجع الأمريكي.
الخلاصة: هل فات الأوان؟
تجد أوروبا نفسها اليوم بين مطرقة التوسع الروسي وسندان الانعزالية الأمريكية. فالتوافق الضمني بين ترامب وبوتين يضع الاتحاد الأوروبي في اختبار وجودي؛ فإما أن ينجح في التحول إلى “قطب عسكري” مستقل يمتلك أدوات الردع، أو أن يتحول إلى مجرد ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
الجزيرة



