سوريا من لاعب إلى ساحة لعِب

لا يزال العامل الجيوسياسي يلعب الدور الأبرز في تحديد مصائر الدول والمجتمعات، متقدماً على العوامل المحلية والاقتصادية والاجتماعية. الحرب السورية، التي تحولت إلى ساحة لتداخل حروب متعددة، جسدت هذه الحقيقة بوضوح، حيث أثبتت أن التدخلات الإقليمية والدولية هي التي رسمت مسار الصراع وحددت مآلاته النهائية.
ورغم أهمية العوامل الداخلية في تفجر الأزمات، فإن استعداد القوى المحلية للتكيف مع أجندات اللاعبين الدوليين والإقليميين كان عاملاً حاسماً في استمرار الحرب. وقد برز مثالان رئيسيان على هذا التكيف: هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وقوات سوريا الديمقراطية، حيث قبلت قياداتهما التخلي عن ثوابت معلنة مقابل البقاء، والاندماج في الاستراتيجيات الإقليمية والدولية، خصوصاً تلك التي تقودها واشنطن.
من يحكم دمشق اليوم يحظى برعاية متعددة الأطراف، تركية وسعودية وغربية، تمثل ضمانة أساسية لبقائه، وشرطاً لإنجاح مشاريع إعادة الإعمار وفتح مسارات التنمية. تركيا تعمل بشكل منهجي على تعزيز نفوذها داخل المؤسسات الأمنية والسياسية السورية، مدفوعة بطموحات قومية توسعية، فيما تسعى السعودية إلى تحويل سوريا إلى ظهير إقليمي يعزز نفوذها في المشرق، مع وعود باستثمارات ضخمة وتطبيع تدريجي للعلاقات مع واشنطن.
في المقابل، تكثر التكهنات حول صلات الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع بالولايات المتحدة، إذ يعتقد البعض أن علاقات أمنية وسياسية ربطته بالأجهزة الغربية منذ سنوات، خاصة بعد اعتقاله في العراق عام 2007. الشرع عبّر مراراً عن قناعته بضرورة التحالف مع الغرب ضد إيران وحزب الله وروسيا، وهو اليوم ملتزم بإملاءات أمريكية تتعلق بقطع الدعم عن قوى المقاومة، وتجنب مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، والسعي نحو تفاهمات أمنية مع تل أبيب.
لكن في ظل التأثير التركي والسعودي، يلتزم الشرع بعدم الانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام”، رغم الضغوط الإسرائيلية المستمرة. هذا التوازن الهش يعكس طبيعة المشهد السوري الراهن، حيث تحولت البلاد إلى ساحة نفوذ متشابك، داخلي وإقليمي ودولي، بعد أن كانت لعقود لاعباً إقليمياً مؤثراً.
الأخبار اللبنانية


