محاكمة شركة “لافارج” في باريس.. اعترافات بدفع “إتاوات” للتنظيمات الإرهابية في سوريا

شهدت محكمة الجنايات في باريس جولة جديدة من جلسات محاكمة شركة لافارج الفرنسية، المتهمة بدفع أموال لتنظيمات متشددة في سوريا وانتهاك العقوبات الدولية، في واحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل في السنوات الأخيرة.
وخلال جلسة الأمس، وجّهت القاضية إيزابيل بريفوست ديسبريز أسئلة مباشرة للمتهمين حول المدفوعات التي قدمتها الشركة لجماعات مسلّحة في سوريا. المدير التنفيذي السابق للشركة، برونو لافون، نفى أي علم له بهذه التحويلات، مؤكداً أنه لم يتلقَّ أي إبلاغ رسمي داخل الشركة، وأشار إلى أنه “يأسف لعدم إدراكه للمخاطر الأمنية التي كانت تحيط بالمصنع”، معتبراً أنه لا يمكن تبرير الدفع للتنظيمات المتشددة بحجة حماية المنشآت.
لكن شهادة كريستيان هيرولت، نائب مدير العمليات بين 2015-2012، خالفت ما قاله لافون، إذ أكد أن الشركة “اضطرت للخضوع لنظام الإتاوات” الذي فرضته الجماعات المسلحة في المنطقة، وأن هذه الدفعات كانت مستمرة وليست مجرد حالات فردية. وكشف أن لافون كان على علم باجتماع عام 2012 حضره السوري فراس طلاس، الذي لعب دور وسيط بين الشركة والمسلحين.
أما جاكوب وارنيس، مسؤول الأمن في الشركة خلال 2013-2011، فقال إنه لم يكن في موقع يمكّنه من معرفة الجهة النهائية التي كانت تصلها الأموال التي يديرها طلاس.
المحكمة استأنفت النظر في القضية يوم 18 نوفمبر الجاري، بعد تعليق مقتضب بسبب خلل إجرائي يتعلق بإحالة المدير السابق لفرع الشركة في سوريا. وتواجه لافارج وشخصيات مرتبطة بها اتهامات خطيرة، أبرزها تمويل الإرهاب ومخالفة العقوبات الدولية.
وتشير الوثائق القضائية إلى أن الشركة دفعت بين عامَي 2013 و2014 ما يقارب خمسة ملايين يورو لجماعات مصنفة إرهابية، بينها داعش وجبهة النصرة، عبر فرعها “لافارج سيمنت سوريا”، مقابل استمرار تشغيل مصنعها في الجلابية شمال البلاد. كما استعانت بوسطاء لتأمين حماية المصنع وشراء المواد الأولية من مناطق خاضعة لسيطرة التنظيمات.
القضية التي فُتح التحقيق فيها عام 2017، استندت إلى تقارير إعلامية وشكاوى من وزارة الاقتصاد الفرنسية ومنظمات حقوقية، إضافة إلى موظفين سابقين في الشركة بسوريا. وفي 2022، اعترفت لافارج في الولايات المتحدة بدفع ملايين الدولارات للتنظيمات المسلحة، ودُفعت غرامة ضخمة بلغت 778 مليون دولار.
وفي فرنسا، قد تواجه الشركة غرامة قياسية قد تصل إلى 1.125 مليار يورو إذا تمت إدانتها بتمويل الإرهاب، فيما قد تكون العقوبات المالية أكبر إذا ثبُت انتهاك الحظر الاقتصادي على سوريا.
محامي لافون شدد على أن موكله لم يكن على علم بهذه المدفوعات، معتبراً إقرار الشركة في الولايات المتحدة “ضربة لقرينة البراءة” وإضراراً بالمسؤولين السابقين. بينما يرى قضاة التحقيق أن معرفة الاستخبارات الفرنسية بما حدث لا تعني موافقة الدولة أو تبريرها لعمليات التمويل.
القضية ما تزال مفتوحة، ومع كل جلسة تظهر تفاصيل جديدة تزيد من تعقيد ملف لافارج، الذي تحول إلى نموذج عالمي لكيف يمكن للشركات العملاقة أن تجد نفسها في قلب صراعات دامية.
روسيا اليوم



