دراسة أميركية تكشف هيكل “جيش سوريا الجديد”
في دراسة تحليلية حديثة، أصدر “معهد دراسات الحرب” الأميركي (ISW) تقريرًا مفصلًا عن تطورات بناء “الجيش السوري الجديد”، الذي يتزعمه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، في مرحلة ما بعد نظام الأسد. الدراسة، التي أعدها كيلي كامبا وبراين كارتر، تتناول هيكلية الجيش الذي يضم تحالف فصائل المعارضة، ويكشف عن محاولات دمج الميليشيات العسكرية القديمة في تشكيلات جديدة، بالإضافة إلى التحديات السياسية والأمنية التي تواجه عملية البناء العسكري في سوريا.
إعادة تشكيل الفصائل السورية: دمج الوحدات دون تغيير ثقافتها القتالية
تستعرض الدراسة كيف أن “الجيش السوري الجديد” يعتمد على إعادة تشكيل فصائل قائمة كانت جزءًا من غرفة عمليات “الفتح المبين” و”الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا. وتشير إلى أن عملية إعادة التسمية أو ما يسمى بـ”Reflagging” (إعادة تسمية) تمثل إحدى الأساليب المتبعة لتحويل هذه الفصائل إلى تشكيلات جديدة، مع الحفاظ على أفرادها ومعداتها، مما يعكس استمرار ثقافة الحرب الأهلية وتحديات السيطرة عليها.
تحذر الدراسة من أن هذه الميليشيات، التي تميزت في الماضي بتجاوزات ضد المدنيين، قد تواصل سلوكياتها تلك ما لم يتم تفكيكها بالكامل. وتشير إلى أن تشكيل الجيش السوري الجديد يواجه صعوبة في تطهير هذه الوحدات من تاريخها المشوه.
أمراء الحرب في المناصب القيادية: هل يمكن ضمان الولاء؟
من بين النقاط الأكثر إثارة في الدراسة، هو تعيين قادة ميليشيات مدعومين من تركيا في المناصب القيادية داخل الجيش السوري الجديد، مثل محمد جاسم (أبو عمشة) قائد فرقة “السلطان سليمان شاه” وأحمد الهايس (أبو حاتم شقرا) قائد “أحرار الشرقية”. هؤلاء القادة، الذين يعترفون بأنهم “أمراء حرب”، يمتلكون شبكات واسعة من التحالفات القبلية والاقتصادية، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة الانتقالية على السيطرة عليهم وضمان ولائهم.
وتشير الدراسة إلى أن تعيين هؤلاء القادة قد يكون ناتجًا عن “ضرورات سياسية” لضمان استقرار المرحلة الانتقالية، لكن وجودهم في هيكل القيادة قد يعرقل جهود بناء جيش موحد واحترافي.
تحديات كبيرة في بناء جيش متماسك: الصراع الطائفي والمشاكل الداخلية
في سياق متصل، تؤكد الدراسة على أن أحمد الشرع يواجه تحديات ضخمة في بناء جيش سوري “محترف وشامل”، حيث تثير خلفيته الجهادية السابقة شكوكًا كبيرة بين الأقليات السورية. وقد تسببت الانتهاكات التي ارتكبتها بعض الوحدات العسكرية ضد الدروز والعلويين في تقويض الثقة في الحكومة الجديدة، مما يعقد جهود بناء جيش يعكس التعددية السورية.
كما أن المجازر والانتهاكات ضد الأقليات قد دفعت العديد من الجماعات مثل الأكراد والدروز إلى التوحد عسكريًا وسياسيًا، مما يزيد من تعقيد مهمة الشرع في تضمينهم في الجيش الجديد. وتحذر الدراسة من أن فشل الحكومة الانتقالية في حل هذه القضايا قد يؤدي إلى تصعيد الصراع الطائفي في المستقبل.
الدور التركي في معوقات الاحترافية العسكرية
تؤكد الدراسة أن الدعم التركي للفصائل التي تثير المشاكل، مثل “الجيش الوطني السوري”، يشكل عائقًا كبيرًا أمام أي جهود لتطوير جيش محترف. وعلى الرغم من تعهد الحكومة السورية الانتقالية بتحقيق الاستقرار، إلا أن استمرار الدعم التركي للفصائل المسلحة يشكل تهديدًا حقيقيًا لأية محاولات للحد من تأثير هذه الميليشيات.
إصلاحات الأمن: ماذا يجب على واشنطن أن تفعله؟
في نهاية التقرير، يدعو معهد دراسات الحرب صناع القرار في واشنطن إلى لعب دور فاعل في توجيه الإصلاح الأمني في سوريا، من خلال الضغط على الحكومة الانتقالية لتحقيق مجموعة من الإصلاحات الواضحة في القطاع الأمني. وتشمل هذه الإصلاحات:
المساءلة والإصلاح الفوري: يجب على واشنطن أن تضغط على الحكومة السورية لضبط قواتها ومحاسبتها على الانتهاكات، مع التأكيد على أن الفشل في محاسبة مرتكبي المجازر سيقوض أي جهود للاستقرار في البلاد.
تفكيك الوحدات العسكرية السيئة: ضرورة إضعاف أو حل الفصائل التي تمثل تهديدًا للاستقرار، خاصة تلك التي تدعمها تركيا.
بناء الثقة والشمولية: يجب أن يتم تضمين مجموعات غير منتمية فقط للوسط السني المعارض، بل يجب أيضًا إشراك قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والفصائل الدرزية لضمان بناء جيش يمثل كافة شرائح المجتمع السوري.
ضبط النفوذ التركي: تدعو الدراسة إلى ضرورة مساءلة تركيا على دعمها المستمر للفصائل المسلحة التي تساهم في إعاقة جهود بناء الجيش السوري الجديد.
خاتمة: الإصلاح العسكري والمستقبل السياسي لسوريا
تختم الدراسة بتأكيد أن نجاح الحكومة الانتقالية في بناء جيش موحد يعتمد بشكل أساسي على قدرتها على تنفيذ إصلاحات عسكرية حقيقية، تشمل تفكيك الميليشيات، وتعزيز الشمولية في صفوف الجيش، والحد من النفوذ الأجنبي، خاصة التركي. دون هذه الإصلاحات، سيظل الاستقرار السياسي في سوريا مهددًا، وقد تتحول التحديات العسكرية إلى صراع طائفي طويل الأمد.
الحل نت



