هل تغير صفقة بيع مقاتلات F-35 للسعودية موازين القوة في الشرق الأوسط؟

منذ تسعينيات القرن الماضي، اعتمدت الولايات المتحدة سياسة ثابتة تقوم على ضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في الشرق الأوسط. وقد ترسخ هذا المبدأ خلال إدارة بيل كلينتون، ثم جرى تجديده وتعزيزه في الإدارات اللاحقة، سواء الديمقراطية أو الجمهورية، حتى أصبح بمثابة قاعدة غير مكتوبة توجه السياسات الأمريكية في المنطقة.
ومع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موافقته المبدئية على بيع مقاتلات F-35 للسعودية، بدأت تساؤلات واسعة تُثار حول ما إذا كانت واشنطن بصدد تغيير قواعد اللعبة التي ظلت تحكم التوازن الإقليمي لعقود.
فقد سمحت الإدارات الأمريكية سابقًا لإسرائيل وحدها بامتلاك طائرات الجيل الخامس، باعتبار أن تصاعد التهديدات في المنطقة—وخاصة من إيران—يفرض منح تل أبيب تفوقًا تكنولوجيًا كبيرًا. كانت تلك الخطوة رسالة واضحة: إسرائيل هي الدولة الوحيدة المسموح لها بامتلاك أحدث التقنيات العسكرية الأمريكية.
ووفق صحيفة إسرائيل هيوم، فإن الاتفاق الأصلي لبيع F-35 لإسرائيل جرى توقيعه فعليًا خلال إدارة أوباما، ما عزز مفهوم “التفوق العسكري النوعي” (QME)، وهو الإطار الذي يضمن لإسرائيل تفوقًا حاسمًا على جميع القوى الإقليمية.
التحول بعد الحرب على إيران
لم يكن التفوق الجوي بالنسبة لإسرائيل مجرد تفوق تقني، بل ظهر تأثيره بشكل واضح خلال عملية “الأسد الصاعد” في العمق الإيراني. فخلال 12 يومًا من العمليات الجوية، تمكنت طائرات F-35 من اختراق واحدة من أعقد بيئات الدفاع الجوي دون الحاجة لتمهيد ناري كثيف، ما أكد أهميتها في قلب موازين المواجهة.
لكن جوهر هذه القدرة كان قائمًا على احتكار إسرائيل لهذا الطراز. وعندما بدأت إدارة ترامب تبحث إمكانية بيع F-35 للسعودية، ظهر تحول جوهري: التكنولوجيا التي مكنت إسرائيل من الوصول إلى العمق الإيراني قد تُمنح للمرة الأولى لدولة عربية وإسلامية.
صفقة F-35… نقطة تحول
في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كشف ترامب للصحفيين أن السعودية “تريد شراء عدد كبير من طائرات F-35″، وهو ما أعاد إلى الواجهة تقارير سابقة لوكالة رويترز تحدثت عن سعي الرياض لاقتناء 48 مقاتلة من هذا الطراز.
ورأت إسرائيل هيوم أن دخول السعودية إلى “نادي F-35” لن يكون مجرد إضافة لطائرة متقدمة أخرى في المنطقة، بل تغييرًا جذريًا في قواعد التوازن العسكري.
التفوق النوعي تحت ضغط
بدأت أصوات إسرائيلية عسكرية وسياسية تبدي قلقًا متزايدًا، محذرة من أن منح السعودية قدرات جوية مماثلة قد يهدد تفوق إسرائيل الذي يعد ركيزة أساسية لأمنها. فالقانون الأمريكي الصادر عام 2008 يُلزم واشنطن بالحفاظ على هذا التفوق، لكن الصفقة الجديدة تضع هذا الالتزام تحت اختبار غير مسبوق.
وتشير تحليلات إسرائيلية إلى أنه في حال حصول السعودية على الطائرات بالمواصفات ذاتها، فإن التفوق الزمني والعملي الذي تتمتع به إسرائيل قد لا يستمر طويلًا، في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا العسكرية بشكل غير مسبوق.
الصفقة كوسيلة للتطبيع
ربط ترامب الصفقة بشكل واضح بمسار التطبيع، مؤكدًا أنه “يتمنى انضمام السعودية لاتفاقات إبراهيم قريبًا”. لكن الرياض لم تُبد اندفاعًا، إذ أكد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان أن التطبيع يجب أن يكون جزءًا من “عملية سلام شاملة” تشمل إقامة دولة فلسطينية.
وفي الوقت نفسه، نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول إسرائيلي قوله إن إسرائيل لا تعارض بيع F-35 للسعودية، لكنها تريد أن يكون ذلك مشروطًا بخطوات سياسية واضحة نحو التطبيع.
تجربة الإمارات والهاجس الصيني
محاولة بيع F-35 للسعودية ليست الأولى؛ ففي عام 2020 وافقت إدارة ترامب على بيع الطائرة للإمارات بعد توقيعها اتفاقية التطبيع. لكن الصفقة تعطلت بعد مخاوف أمريكية من علاقات أبوظبي المتنامية مع الصين، وهو السيناريو الذي يثير مخاوف مماثلة تجاه السعودية اليوم.
ووفق تقارير أمريكية، فإن أجهزة الاستخبارات تخشى إمكانية وصول التكنولوجيا الحساسة إلى بكين، في ظل تعاون سعودي-صيني آخذ في التوسع.
انقسام داخل إسرائيل
في المقابل، ظهرت أصوات إسرائيلية أقل قلقًا. فقد اعتبر يوسي مان، الخبير في الشؤون الخليجية، أن السعودية دولة مستقرة ولا تشكل تهديدًا استراتيجيًا حقيقيًا لإسرائيل. كما أكد وزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات أن واشنطن ملتزمة بالحفاظ على التفوق الإسرائيلي ولن تسمح بتهديده.
زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن
تأتي زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 في توقيت حساس، حيث يتصدر ملف F-35 جدول اللقاءات. وتتناول الزيارة ثلاثة محاور رئيسية: تعزيز التعاون الدفاعي، وتوسيع الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة، وتطوير الشراكات في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة.
ويتزامن اللقاء مع انعقاد منتدى الاستثمار السعودي–الأمريكي، ما يمنحه زخمًا إضافيًا على المستوى الاقتصادي والإعلامي.
صفقة F-35… عنوان المرحلة المقبلة
لا تبدو الصفقة مجرد تعاون عسكري، بل خطوة قد تعيد صياغة التوازن الإقليمي الذي ظل ثابتًا لعقد كامل. فبينما تستخدم واشنطن الصفقة كأداة ضغط سياسية، تخشى إسرائيل على تفوقها، وتسعى السعودية إلى الحصول على الطائرات مقابل تقدم ملموس في المسار السياسي نحو دولة فلسطينية.
وترى إسرائيل هيوم أن القرار الأمريكي سيحدد ملامح القوة الجوية في الشرق الأوسط خلال السنوات العشر المقبلة، وأن إسرائيل تدرك تمامًا ما يعنيه وصول F-35 إلى الرياض.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو الشرق الأوسط على أعتاب تحول استراتيجي قد يعيد تشكيل خريطته السياسية والعسكرية لعقود قادمة.
عربي 21



