الاخبار

تعرفة الكهرباء الجديدة.. كابوس الفاتورة يلاحق السوريين

يشهد قرار الحكومة السورية بتعديل تعرفة الكهرباء موجة واسعة من الجدل بين المواطنين وأصحاب المنشآت الإنتاجية، في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها السوريون. فقد أعلنت وزارة الطاقة في 30 تشرين الأول الماضي رفع أسعار الكهرباء ضمن أربع شرائح قالت إنها تراعي مستويات الدخل وأنماط الاستهلاك، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة لإصلاح قطاع الكهرباء الذي يتكبد خسائر سنوية تقارب مليار دولار نتيجة ضعف البنية التحتية وارتفاع تكاليف التشغيل.

ورغم مرور أسابيع على القرار، ما يزال ملف الكهرباء محور حديث الشارع، دون وضوح كامل في كيفية استجابة الحكومة لمخاوف المواطنين.

معظم السوريين يرون أن التعرفة الجديدة لا تناسب الدخل

وبحسب استطلاع للرأي شمل 2550 مشاركًا، رأى 83% أن الأسعار الجديدة لا تتوافق مع دخل السوريين، بينما اعتبر 17% فقط أنها مقبولة.
كما استطلعت “عنب بلدي” آراء مواطنين وخبراء لمعرفة تأثير القرار على الأسر والقطاعات الاقتصادية المختلفة.

ضغط متزايد على محدودي الدخل: الكهرباء تتحول إلى “معركة بقاء”

يقول سامر العلي، موظف حكومي، إن فاتورة الكهرباء أصبحت هاجسًا يوميًا، إذ يضطر إلى تقليل نفقاته الأساسية ليتجنب تراكم الفواتير، بينما لا يكفي راتبه لتغطية احتياجاته الضرورية.
وترى أمل الرفاعي من دمشق أن إدارة استهلاك الكهرباء أصبحت عملًا يوميًا مرهقًا، إذ تحدد سقفًا لا تتجاوزه وهو 300 كيلوواط، خوفًا من الانتقال إلى شريحة أعلى ستضاعف فاتورتها.

وتشير شهادات مشابهة إلى أن القلق لم يعد مرتبطًا بانقطاع الكهرباء، بل باستهلاكها المرتبط بتكاليف متزايدة باتت تهدد ميزانيات الأسر الفقيرة والمتوسطة.

الشرائح الأربع وفق قرار الوزارة

الشريحة 1: 600 ليرة للكيلوواط حتى 300 كيلوواط (بدعم 60%).

الشريحة 2: 1400 ليرة لمن يستهلك أكثر من 300 كيلوواط.

الشريحة 3: 1700 ليرة للمؤسسات المعفاة من التقنين.

الشريحة 4: 1800 ليرة للمنشآت ذات الاستهلاك العالي كالمصانع.

ثلث الراتب لفاتورة الكهرباء

يقول الخبير الاقتصادي عبد الرزاق حبزة إن الرواتب الحالية — التي لا تتجاوز مليونًا ونصف المليون ليرة — لا تتناسب إطلاقًا مع التعرفة الجديدة، موضحًا أن موظفًا يتقاضى مليون ليرة سيدفع نحو 300 ألف ليرة للكهرباء، أي ما يعادل ثلث دخله.

وأضاف أن أي ارتفاع في أسعار الطاقة سينعكس مباشرة على المعيشة، لأن المواطن بات غير قادر أصلًا على تأمين حاجاته الغذائية.

مخاوف من ارتفاع الأسعار في الأسواق

يبرر أصحاب المحال — مثل زيد لطفي بائع اللحوم — أن رفع الأسعار أصبح أمرًا لا مفر منه، لأن التكاليف ارتفعت بدءًا من التبريد وصولًا إلى النقل والكهرباء.
ووفق حبزة، فإن أسعار المواد الغذائية التي تحتاج للتبريد قد ترتفع بين 10 و15%، فيما سيتأثر قطاع الدواجن بشكل خاص لكونه يعتمد على الكهرباء للتدفئة والتبريد.

لكن مدير حماية المستهلك حسن الشوا يقول إن الأسواق لم تشهد ارتفاعًا ملحوظًا حتى الآن، وإن المديرية تراقب الأسعار يوميًا.

هل الرقابة كافية؟

يشير حبزة إلى أن الرقابة على الأسعار أصبحت محدودة في ظل اقتصاد السوق الحر، إذ لا يُعتبر رفع الأسعار “مخالفة” ما دام التاجر يعزو ذلك لتكاليف الإنتاج، داعيًا إلى تحديد سقف للربح لمنع الاستغلال.

التأثير الاقتصادي العام: بين ضرورة الإصلاح وتحديات الواقع

يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن تعديل التعرفة خطوة ضرورية لضمان استمرارية قطاع الكهرباء، لكنه يحذر من آثارها على الأسر الفقيرة، خاصة أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

ويؤكد أن الزيادة سترفع تكاليف النقل والإنتاج، ما قد يفاقم التضخم.

أما الخبير محمد الحلاق فيصف القرار بأنه “معاناة جديدة”، مشيرًا إلى أن الشريحة الأولى وحدها تكلف نحو 180 ألف ليرة، وهو مبلغ يعجز عنه كثيرون، محذرًا من أزمة اجتماعية أوسع.

تأثير القرار على القطاع الخاص

يشدد الحلاق على أن ارتفاع أسعار الكهرباء سيقلص أرباح التجار والصناعيين، وقد يدفع البعض لتقليص العمالة أو الإغلاق، خصوصًا أن 80% من منشآت القطاع الخاص تعمل حاليًا بطاقة منخفضة ولا تملك القدرة على تحمل أعباء إضافية.

كما أن رفع الأجور في القطاع العام سيدفع القطاع الخاص لرفع الرواتب، ما يزيد الضرائب والتأمينات ويثقل كاهل الشركات الصغيرة.

الصناعيون بين صدمة التعرفة الجديدة وتراجع القدرة التنافسية

أصحاب معامل في حلب قالوا إن رفع تعرفة الكهرباء الصناعية إلى 1700 ليرة للكيلوواط جاء “مفاجئًا”، ويمس بشكل مباشر القدرة الإنتاجية للمصانع، التي تعمل أصلًا بأقل طاقتها.

ويرى الصناعيون أن ارتفاع تكلفة الكهرباء يجعل المنتج السوري أقل قدرة على المنافسة مقارنة بالدول المجاورة، حيث تبلغ تكلفة الكيلوواط في الأردن 8 سنتات، وفي مصر 4 سنتات، بينما وصل في سوريا إلى ما يعادل 14 سنتًا.

تهديد بتوقف خطوط الإنتاج

يؤكد تيسير دركلت، رئيس لجنة العرقوب الصناعية، أن بعض المعامل ستشهد ارتفاعًا في فواتيرها قد يتجاوز خمسة ملايين ليرة شهريًا، وهو ما قد يؤدي إلى توقفها.

كما أن صناعات كالنسيج والجلديات كانت أصلًا متضررة، وزيادة الكهرباء قد تعجّل بإغلاق المزيد منها.

بحث عن بدائل: الطاقة الشمسية تتصدر المشهد

دفعت التعرفة الجديدة الكثير من الأسر إلى التفكير بحلول بديلة لتقليل الاعتماد على الشبكة العامة، وفي مقدمتها منظومات الطاقة الشمسية، التي باتت خيارًا واسع الانتشار.

وتوضح شركة Xnetron أن تركيب 4–6 ألواح مع بطارية وإنفرتر يمكن أن يغطي كامل احتياجات المنزل في النهار، مع الاعتماد على البطارية ليلًا، ما يخفض استهلاك الكهرباء العامة بنسبة تصل إلى 90%.

كما يجري طرح منتجات جديدة مثل “سيخ” تسخين المياه يعمل بالطاقة الشمسية وباستهلاك منخفض جدًا.

“الأمبيرات”: حل مكلف لكنه لا يزال موجودًا

يقول سكان في حلب إن تكلفة الأمبيرات — التي تصل إلى نحو 280 ألف ليرة شهريًا — باتت مقارنةً بأسعار الكهرباء النظامية أقل جذبًا، لكن عدم توفر الكهرباء 24 ساعة يدفع كثيرين للإبقاء على اشتراك واحد كخيار احتياطي.

مقترحات للتخفيف من أثر القرار

قدّم اقتصاديون مقترحات منها:

تسعير الكهرباء بحسب المناطق ومستوى المعيشة.

دعم مباشر للأسر الفقيرة.

استثمار عائدات القرار في تحسين البنية التحتية.

إشراك غرف الصناعة والتجارة في أي قرار اقتصادي.

عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى