حلب “منورة”.. ما الانعكاسات الإيجابية لزيادات ساعات الوصل الكهربائي؟

بعد أكثر من عشرة أعوام عاش خلالها الحلبيون على وقع الانقطاعات الطويلة وأمضوا ليالٍ مظلمة اعتادوها مرغمين، استعادت مدينة حلب جزءًا من إشراقها مع تحسن غير مسبوق في وضع الكهرباء. فقد وصلت ساعات الوصل في بعض الأحياء إلى نحو 16 ساعة يوميًا، وهو معدل لم تشهده المدينة منذ عام 2012. ولم يقتصر هذا التحسن على كونه خدمة عامة طال انتظارها، بل شكّل نقطة تحول واضحة في المشهد الحياتي داخل المدينة التي أنهكتها الحرب التي شنّها النظام المخلوع. وكأن عودة التيار لم تنر الشوارع فحسب، بل أحيت شريانها الصناعي والاجتماعي، وبثّت شيئًا من الأمل في نفوس سكانها.
حلب “منوّرة” من جديد
لطالما أحب الحلبيون وصف مدينتهم بـ”العاصمة الاقتصادية لسوريا”، فهي مدينة تعيش على صوت معاملها وأسواقها وورشاتها المنتشرة في كل حي. ومع اندلاع المعارك عام 2012 وتكثيف قصف النظام المخلوع، انهارت محطات الكهرباء وخطوط النقل وغرقت المدينة في الظلام. خلال تلك السنوات، حلّ ضجيج المولدات مكان الصوت الحقيقي للمدينة، وتحوّلت الكهرباء إلى سلعة باهظة يشتريها الأهالي بأسعار مرهقة من مولدات يملك معظمها أشخاص مقربون من الأمن أو متقاسمون للأرباح معهم.
عاشت آلاف العائلات تحت وطأة هذا الواقع؛ دراسة على ضوء مصابيح صغيرة، طبخ وغسيل في أوقات محدودة، وحياة تُدار بما تسمح به المولدات. لكن اليوم تغيّر المشهد بشكل واضح؛ فرق الكهرباء عادت إلى المحطات المدمرة، والورش المختصة أنهت ترميم الشبكات التالفة، والأحياء الشرقية التي حُرمت من الكهرباء لسنوات طويلة بدأت أخيرًا تتصل بالشبكة مجددًا بعد ترميم خطوطها أو إعادة بنائها بالكامل.
في جولة ميدانية لموقع تلفزيون سوريا، لمس السكان الفرق الكبير. يقول منصور علي من حي حلب الجديدة: “عودة الكهرباء أعادت الأمان. الناس تمشي ليلًا، المحال تفتح حتى وقت متأخر، وصوت المولدات اختفى تقريبًا. نتمنى أن نصل إلى 24 ساعة وصل.”
وفي سيف الدولة، تحدث أبو يوسف عن أثر التحسن على منزله: “أولادي يدرسون على ضوء نظامي، وليس على بطارية. حتى أجواء البيت تغيّرت، وأصبحت الحياة اليومية أسهل بكثير.”
الصناعة تستعيد أنفاسها
بالنسبة لأصحاب الورش والمعامل الصغيرة، فإن الكهرباء المنتظمة بمثابة أوكسجين يعيد إحياء الإنتاج، خصوصًا في ورش الخياطة والتطريز المنتشرة بكثافة في الأحياء الشرقية. هذه الورش التي دُمّر جزء كبير منها أو توقف عملها لسنوات، يمكن أن تستعيد نشاطها مع زيادة ساعات الوصل.
يقول أبو أحمد، صاحب ورشة خياطة: “العمل على المولدات كان مكلفًا جدًا. الآن تضاعفت ساعات الإنتاج وتراجعت التكاليف، وتمكنا من إعادة تشغيل عمال كنا قد سرّحناهم.”
ويؤكد صناعيون أن استقرار الكهرباء يعيد الثقة للمستثمرين ويشجع على إعادة فتح المعامل المتوقفة، وأن استمرار التحسن لعام واحد فقط مع دعم حكومي للقطاع الإنتاجي قد ينعكس تضاعفًا في إنتاج الورش والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
وتشير مصادر صناعية لموقع تلفزيون سوريا إلى أن ارتفاع ساعات الوصل خفّض تكاليف الإنتاج بشكل كبير، ما سمح بإعادة تشغيل معامل الألبسة والنسيج والتطريز والألمنيوم والحدادة وغيرها من الصناعات التقليدية التي تشتهر بها حلب. كما أدى إلى خلق فرص عمل جديدة، ورفع الطلب على المواد الخام والخدمات المساندة، الأمر الذي أعاد الحركة الاقتصادية إلى المدينة.
عودة الثقة بين الناس والمؤسسات
يرى أحمد علبي، أحد تجار العزيزية، أن الإنارة في الشوارع أصبحت رمزًا لعودة مؤسسات الدولة للعمل: “الضوء يعني أن هناك إدارة تعمل، وأن العلاقة بين المواطن والدولة يمكن أن تبنى على الثقة من جديد.”
ورغم التحسن، قدم الأهالي مجموعة من المقترحات لتحسين واقع الكهرباء، أبرزها:
تشكيل فرق صيانة سريعة، خاصة في الأحياء الشرقية المتضررة.
إشراك السكان في حماية الشبكة من السرقة والتخريب.
توسيع استخدام الطاقة الشمسية لتخفيف الضغط على الشبكة.
تقديم حوافز للصناعيين وتخفيض أسعار الكهرباء للمنشآت الإنتاجية.
تخفيض تعرفة الكهرباء المنزلية بما يتناسب مع مستوى الدخل.
ضوء يفتح باب التعافي
ورغم أن عودة الكهرباء تبدو خدمة أساسية، إلا أنها تعكس تحولًا أكبر في حياة المدينة. فالنور الذي عاد إلى بيوت وشوارع حلب لا يطرد العتمة فقط، بل يمهّد لطريق جديد نحو التعافي الاقتصادي والاجتماعي، ويعيد بعضًا من الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات.
الحلبيون اليوم يعلّقون آمالًا كبيرة على استمرار التحسن، آملين أن تكون عودة الكهرباء خطوة أولى في مسار طويل من إعادة الإعمار والتنمية، وأن تبقى الأضواء التي أُعيد إشعالها رمزًا لنهضة حقيقية طال انتظارها.
العربي الجديد



