هكذا تفقّر سورية مواطنيها وتقتل صناعتها!

في خطوة وُصفت بأنها غير مدروسة، أقدمت الحكومة السورية مؤخراً على اتخاذ قرارين اقتصاديين أثارا جدلاً واسعاً، لما لهما من تبعات مباشرة على الصناعة الوطنية ومستوى معيشة المواطنين.
القرار الأول يتمثل في الاتجاه المعلن نحو تبنّي الاقتصاد الحر بنسخته الكاملة، حيث باتت تصريحات المسؤولين السوريين تتمحور حول الانفتاح الاقتصادي وترك السوق يصحح نفسه دون تدخل حكومي يُذكر.
غير أن هذا التوجه — الذي قد ينجح في اقتصادات كبرى مثل الأمريكية أو الصينية — يبدو مغامرة محفوفة بالمخاطر في بلد يعاني ضعف البنى الإنتاجية وتراجع القدرات التقنية وغياب المواد الأولية.
في المقابل، ما زالت الدول الصناعية الكبرى رغم تبنّيها لاقتصاد السوق الحرّ، تلجأ إلى سياسات حمائية لحماية صناعاتها الوطنية من الإغراق الأجنبي، وهو ما تفتقر إليه دمشق حالياً.
فالأسواق السورية باتت مفتوحة على مصراعيها أمام السلع التركية والصينية والعربية، مما يهدد ما تبقى من الإنتاج المحلي ويزيد اعتماد البلاد على الاستيراد.
أما القرار الثاني فهو رفع أسعار الكهرباء بنسب خيالية تجاوزت 60 ضعفاً ضمن نظام الشرائح الجديد، إذ ارتفع سعر الكيلو واط المنزلي من 10 إلى 600 ليرة، بينما بلغ في بعض الشرائح الصناعية أكثر من 1900 ليرة.
ورغم تبرير الحكومة الخطوة بالحاجة إلى تغطية خسائر القطاع وتحسين الخدمة، إلا أن التوقيت جاء في لحظة حساسة تسبق فصل الشتاء، ومع تضاعف أسعار المحروقات، ما يزيد الأعباء على المواطنين والمنشآت الصناعية معاً.
النتيجة المتوقعة — بحسب محللين — هي ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع القدرة التنافسية للصناعة السورية، وزيادة معدلات الفقر والتضخم.
فالكهرباء سلعة أساسية تدخل في جميع مجالات الإنتاج والخدمات، ورفع سعرها بهذا الشكل سينعكس حتماً على الأسعار النهائية للسلع والنقل والخدمات، الأمر الذي يضعف القوة الشرائية للسوريين المنهكة أصلاً.
ويرى خبراء اقتصاديون أن على الحكومة السورية أن تتعامل مع واقعها الاقتصادي بمرونة أكثر، فسياسات السوق المفتوح لا يمكن أن تطبّق في اقتصاد متهالك خرج من حرب طويلة دون أدوات حماية ودعم.
كما أن رفع أسعار الطاقة يجب أن يقترن بإجراءات موازية كخفض الضرائب وتقديم حوافز إنتاجية ودعم مباشر للفئات الأضعف، على غرار ما تقوم به الاقتصادات الكبرى نفسها.
ويحذّر مختصون من أن الإصرار على هذا النهج قد يؤدي إلى تدمير ما تبقّى من الصناعة الوطنية ودفع المزيد من السوريين نحو الفقر المدقع والبطالة، في وقت ما زالت فيه البلاد بأمسّ الحاجة إلى سياسات دعم إنتاجي وخطط إنقاذ واقعية.
العربي الجديد



