أول اختبار للشرع مع الأجانب: «رفاق الأمس» ليسوا لقمة سائغة

أعاد الهجوم الذي شنّته القوات الموالية للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع على ما يُعرف بـ«مخيّم الفرنسيين» في مدينة حارم بريف إدلب قبل أيام، الجدل مجدداً حول ملف المقاتلين الأجانب في سوريا، وتعقيد المشهد الأمني في شمال البلاد.
ورغم أن الوقت لا يزال مبكراً لتحديد مسار العلاقة بين الشرع و«أبو محمد الجولاني» من جهة، وبين المقاتلين الأجانب من جهة أخرى، إلا أن المواجهة الأخيرة بين الطرفين كشفت مؤشرات أولية حول شكل المرحلة المقبلة، ومدى استعداد تلك الفصائل للرد على أي محاولات لاستهدافها من قبل الحكومة الانتقالية.
خلفيات الهجوم على “مخيّم الفرنسيين”
بحسب مصادر أمنية في إدلب، فإن الأجهزة التابعة للحكومة الانتقالية و«هيئة تحرير الشام» حاولت منذ أشهر عزل المقاتلين الفرنسيين بقيادة الجهادي الفرنسي عمر ديابي، المعروف باسم عمر أومسين، عن بقية المقاتلين الأجانب، لكنها لم تنجح في ذلك قبل أن تشن قوات الأمن العام السوري هجوماً على المخيم.
وتذرّعت الجهات الأمنية بأن العملية جاءت بعد اتهام أومسين باختطاف ابنة مقاتل فرنسي آخر من جماعته، إلا أن هذه الرواية، التي رُوّجت عبر الإعلام المحلي، لم تُقنع المقاتلين الأجانب ولا المجموعات الآسيوية داخل إدلب. على العكس، اعتُبرت العملية محاولة لتصفية حسابات سياسية، ما دفع العديد من المقاتلين إلى إعلان تضامنهم مع أومسين.
تماسك صفوف المقاتلين الأجانب
الهجوم على مخيّم الفرنسيين انعكس سلباً على الحكومة الانتقالية، إذ بدا أن رواية أومسين وجماعته، التي صوّرته كضحية لمكيدة أمنية، لاقت تأييداً واسعاً بين المقاتلين الأجانب، لا سيما من صفوف الحزب الإسلامي التركستاني والمقاتلين الأوزبك.
ويرتبط أومسين بعلاقات قديمة مع «التركستاني» تعود إلى عام 2013، حين أسس في سوريا تنظيم “فرقة الغرباء” الذي ضمّ مقاتلين من فرنسا وبلجيكا. وعلى مدى سنوات، حافظ على تنسيق وثيق مع التركستانيين رغم بعض الخلافات مع «هيئة تحرير الشام» واعتقاله في وقت سابق داخل إدلب.
توتر متصاعد وثقة مفقودة
الهجوم الأخير جاء بعد اعتقال القيادي الإيغوري أبو دجانة التركستاني بسبب ظهوره الإعلامي المتكرر، ما زاد من حالة الشكّ لدى المقاتلين الأجانب تجاه نوايا الحكومة الانتقالية. ويرى مراقبون أن الرئيس الشرع يسعى إلى تفكيك تلك المجموعات تدريجياً وعزلها عن المشهد، في خطوة تُفسَّر على أنها تنفيذ لالتزامات دولية تتعلق بمحاربة الإرهاب.
لكن نتائج العملية لم تكن في صالحه، إذ أظهرت عجز القوات الحكومية عن السيطرة على مجموعة صغيرة نسبياً، وأدّت في المقابل إلى توحيد صفوف المقاتلين الأجانب ضدّه. كما فشل الشرع في تحقيق مكسب سياسي من العملية، بعدما تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أعطى صلاحية متابعة القضية للحزب الإسلامي التركستاني، وهو الفصيل الأقوى عدداً وتسليحاً بين المقاتلين الأجانب في سوريا.
ضغط دولي لإغلاق ملف المقاتلين الأجانب
مصادر سياسية مطلعة تؤكد أن تحركات الشرع تأتي في سياق ضغوط دولية متزايدة لحسم ملف المقاتلين الأجانب في سوريا. فالدول الغربية تطالب الحكومة الانتقالية بالمشاركة الفعلية في عمليات مكافحة الإرهاب، وخاصة ضد المقاتلين الذين يحملون جنسياتها أو يشكلون تهديداً محتملاً لأمنها.
أما روسيا، التي استقبلت الشرع منتصف الشهر الجاري، فتبدو راضية عن تعهداته بالتعامل مع الملف بهدوء ومنع المقاتلين من أصول روسية من تشكيل خطر على أمنها.
في المقابل، تراقب الصين الموقف عن كثب، خصوصاً مع اقتراب زيارة وزير الخارجية السوري الانتقالي أسعد الشيباني إلى بكين، حيث تنتظر الأخيرة معرفة مدى جدّية دمشق في منع المقاتلين الإيغور والتركستان من استخدام الأراضي السورية كنقطة انطلاق لأي نشاط ضدها في إقليم شينجيانغ.
معركة الشرع مع المقاتلين الأجانب.. بين الالتزامات الدولية والرفض الداخلي
يرى مراقبون أن أزمة الشرع مع المقاتلين الأجانب لا تقتصر على ضغوط الخارج، بل تمتد إلى تحديات داخلية أيديولوجية، إذ يجد نفسه أمام قاعدة جهادية كانت يوماً حليفة لـ«الجولاني»، لكنها تنظر اليوم بعين الريبة إلى سياساته.
ومع استمرار تنظيم “داعش” في محاولة استقطاب عناصر من هؤلاء المقاتلين الغاضبين، يخشى الشرع من أن تتحول سياساته إلى وقود لتقوية خصومه الجهاديين. فالخطاب الذي يقدّمه لتبرير عملياته لا يزال ضعيفاً أمام الخطاب العقائدي المتشدد الذي يتبنّاه التنظيم، ما يجعل المشهد أكثر هشاشة وتعقيداً.
الاخبر



