الاخبار

نيويورك تايمز: فرق الإعدام في السويداء.. نقطة تحول في سوريا

كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، في تقرير موسع، عن سلسلة من الانتهاكات المروّعة التي شهدتها محافظة السويداء السورية، مؤكدة أن قوات الأمن الحكومية ومجموعات مسلحة موالية للحكومة الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، ارتكبت عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية بحق مدنيين من الطائفة الدرزية.

وقالت الصحيفة إن مشاهد الفيديو وشهادات الناجين كشفت عن فظائع صادمة، حيث أقدم مسلحون على اقتحام منازل المدنيين وسحبهم إلى الشوارع قبل أن يوجّهوا إليهم إهانات قاسية، واصفين إياهم بـ”الخنازير والزنادقة”، ثم أطلقوا النار عليهم أمام أعين ذويهم. وأشارت الصحيفة إلى أن أحد المتطوعين في مستشفى السويداء أُعدم رمياً بالرصاص داخل المستشفى نفسه على أيدي عناصر يرتدون الزي العسكري.

وأضاف التقرير أن زعماء دينيين من أبناء الطائفة الدرزية تعرّضوا للاعتداء والاحتجاز تحت تهديد السلاح، في مشهد وصفته الصحيفة بأنه “تجسيد للفوضى التي كان يخشاها السوريون بعد سقوط نظام بشار الأسد”.

خلفية سياسية مضطربة

وأوضحت نيويورك تايمز أن سقوط نظام الأسد العام الماضي مهّد الطريق أمام حكومة جديدة بقيادة أحمد الشرع، وهو مقاتل سابق انشق عن الجماعات الجهادية وتعهد بإقامة دولة جديدة تحمي جميع الطوائف الدينية في سوريا.
ورغم محاولاته طمأنة المجتمع الدولي، عبر قطع علاقاته السابقة مع التنظيمات المتشددة، إلا أن حكومته واجهت اتهامات متزايدة بالفشل في ضبط الميليشيات المسلحة التابعة لها.

وفي الوقت الذي كانت فيه حكومته تحاول تعزيز علاقاتها بالولايات المتحدة ودول الخليج، اندلعت أعمال عنف دامية في السويداء، تحولت سريعًا إلى واحدة من أكثر المذابح الطائفية دموية منذ بداية العهد الجديد في سوريا.

مجزرة السويداء: نقطة تحول دامية

وفقاً لتقارير ميدانية نقلتها الصحيفة، أدى تدخل القوات الحكومية إلى تفاقم الأوضاع بدل تهدئتها، حيث قُتل ما يقرب من ألفي شخص، معظمهم من أبناء الطائفة الدرزية. وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الحدث شكّل نقطة تحول في المشهد السوري، إذ كشف عن نمط متكرر من استهداف الأقليات من قبل القوات الحكومية والموالين لها دون أي محاسبة.

وتسبب الغضب الشعبي عقب المجزرة في تصاعد الدعوات للانفصال، إذ طالب الزعيم الروحي الأعلى للدروز بفصل السويداء عن سوريا، فيما منعت الميليشيات الدرزية دخول قوات الحكومة إلى أجزاء واسعة من المحافظة. كما أثرت تداعيات الحادثة على مناطق أخرى مثل الشمال الشرقي، حيث جمدت الفصائل الكردية مفاوضاتها مع الحكومة الجديدة ورفضت المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

شهادات ومشاهد مرعبة

ذكرت الصحيفة أنها أجرت مقابلات مع عشرات الشهود وحللت مئات المقاطع المصورة التي توثق عمليات إعدام ميدانية نفذها مسلحون يرتدون الزي العسكري ضد مدنيين دروز. وأظهرت بعض المقاطع مقاتلين يجبرون ثلاثة رجال من عائلة واحدة على الصعود إلى شرفة مبنى سكني قبل أن يأمروهم بالقفز نحو الموت، بينما صاح أحد المسلحين “الله أكبر” بعد سقوطهم.

وفي فيديو آخر، وُثّق إطلاق النار على رجل ستيني يُدعى منير الرجمة بعد أن أكد للمقاتلين أنه درزي، ليرد أحدهم قائلاً: “هذا مصير كل كلب مثلك”، قبل أن يُطلق النار عليه.

وأكد مراقبون أن معظم ضحايا أعمال العنف كانوا من الدروز، في حين تورط بعض المسلحين الدروز أيضاً في عمليات قتل انتقامية محدودة، ما زاد من تعقيد المشهد الطائفي في المنطقة.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن ما لا يقل عن ثلاثة مدنيين قُتلوا على أيدي مقاتلين من الطائفة الدرزية، مشيرًا إلى أن بعض هؤلاء المقاتلين استعرضوا جثثًا قالوا إنها تعود لجنود حكوميين في شوارع المدينة. ووفقًا لإحصاءات المرصد، فإن حصيلة المواجهات الأخيرة بلغت نحو ألفي قتيل، بينهم ما يقارب ألف مدني درزي وخمسة مدنيين من البدو.

وفي أعقاب تصاعد الأحداث، أصدرت الحكومة السورية بيانًا أدانت فيه العنف الحاصل في السويداء، متعهدةً بفتح تحقيق شامل حول ما وصفته بـ”انتهاكات خطيرة” نفذتها مجموعة مجهولة ترتدي الزي العسكري. كما أعلن رئيس الحكومة أحمد الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عزمه على محاسبة المتورطين وملاحقة “كل يد تلطخت بدماء الأبرياء”.

وشكّلت السلطات لجنة مستقلة لتقصي الحقائق في يوليو/تموز، معلنةً استعدادها للتعاون مع محققي الأمم المتحدة. غير أن وزارتي الدفاع والإعلام لم تقدما أي تعليق رسمي على ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز من تفاصيل موثقة.

ورغم هذه التطمينات، لا تزال الطائفة الدرزية تعيش حالة من الغضب والتوتر. فقد دعا الزعيم الروحي للطائفة، الشيخ حكمت الهجري، إلى منح السويداء حق تقرير مصيرها، مؤكدًا أن “الكرامة والحرية لا يمكن التراجع عنهما مهما كانت التضحيات”.

خلفية طائفية معقدة تمتد لعقود

تشير التقارير إلى أن النسيج السوري المتنوع دينيًا وعرقيًا كان عبر التاريخ مصدر غنى ثقافي، لكنه تحول في العقود الأخيرة إلى بؤرة توتر وصراع. فالأغلبية السنية تعيش جنبًا إلى جنب مع الشيعة والمسيحيين والدروز والعلويين — الطائفة التي تنتمي إليها عائلة الأسد، والتي احتفظت بنفوذ واسع خلال أكثر من خمسة عقود من الحكم.

وخلال تلك الحقبة، غذّت السلطة المخاوف الطائفية لتبرير سيطرتها، مقدّمة نفسها كحامية للأقليات في مواجهة ما وصفته بـ”تهديد الأغلبية السنية”. ومع اندلاع الحرب الأهلية السورية، تعمّقت هذه الانقسامات، حيث تبنى بعض فصائل المعارضة توجهات دينية متشددة، في حين تشكّلت الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع من أغلبية سنية بعد سقوط نظام الأسد.

ورغم وعود الشرع بتأسيس “سوريا جديدة آمنة للجميع”، إلا أن حكومته واجهت صعوبات كبيرة في ضبط المقاتلين المنضوين تحت رايتها، ما سمح بعودة النزعة الانتقامية والطائفية إلى الواجهة.

دوامة العنف والانتقام

بعد أشهر قليلة من سقوط النظام السابق، أطلقت القوات الحكومية الجديدة حملة قمع عنيفة على الساحل السوري في مارس/آذار، راح ضحيتها أكثر من 1400 شخص، معظمهم من الطائفة العلوية. وقد أثارت تلك الأحداث مخاوف واسعة من أن تتحول البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الطائفية.

وبعد شهرين فقط، اندلعت اشتباكات جديدة قرب دمشق أسفرت عن مقتل أكثر من مئة شخص، غالبيتهم من الدروز، قبل أن تنفجر الأوضاع في السويداء منتصف يوليو/تموز.

بدأت الأزمة الأخيرة بنزاع بين البدو السنة والمليشيات الدرزية حول قضايا تقليدية كحقوق الرعي والأراضي والمياه، لكن الاشتباكات سرعان ما تحولت إلى مواجهة مسلحة دامية. وأشارت التقارير إلى أن الشرارة الأولى اندلعت عندما هاجم مسلحون من البدو رجلًا درزيًا على الطريق السريع وسرقوه، لتبدأ بعدها عمليات خطف متبادلة وهجمات متصاعدة بين الطرفين.

ومع دخول القوات الحكومية السورية إلى المحافظة بزعم فرض النظام، ازدادت وتيرة العنف بشكل كبير، وسط اتهامات من السكان للدولة بالانحياز إلى البدو.

تصاعد الصراع وتدخل إسرائيلي

أفادت تقارير إعلامية بأن إسرائيل شنت غارات جوية استهدفت مواقع تابعة للقوات السورية بذريعة حماية الدروز في الجنوب، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة إسرائيلية لكسب تعاطف الطائفة ومنع الفصائل الإسلامية من تعزيز نفوذها في المنطقة.

كما كشفت مقاطع مصوّرة تحققت منها نيويورك تايمز أن مقاتلين سنة من شرق سوريا تدفقوا إلى السويداء وانضموا إلى القتال إلى جانب البدو، بل تعاون بعضهم مع القوات الحكومية في عدة مواقع ميدانية.

مأساة عائلة الشاطر.. رمز الفوضى

من بين القصص المروعة التي وثّقتها الصحيفة، مقتل رجل درزي مسن يُدعى هزاع الشاطر (74 عامًا) مع اثنين من أبنائه وصهره، بعد أن اقتحم مسلحون منزلهم وأجبروهم على الخروج إلى الشارع.
أظهرت المقاطع المصوّرة الرجال الأربعة وهم يتعرضون للركل والضرب قبل أن يتم إعدامهم رمياً بالرصاص أمام أحد المباني في المدينة. وبعد ساعات، انتشرت صور جثثهم على مواقع التواصل، في مشهدٍ صادم هزّ الرأي العام السوري.

وأكدت الصحيفة أن أحد المقاتلين الذين ظهروا في الفيديو نفسه شوهد لاحقًا في مقطع آخر وهو يقطع رأس رجل درزي في أحد شوارع السويداء، ما يعكس حالة الانفلات الأمني التي اجتاحت المدينة.

فوضى المستشفيات والمجازر

ومع اشتداد المعارك، امتلأت مشارح مستشفى السويداء الوطني بجثث المدنيين والمقاتلين على حد سواء، حتى باتت الممرات والساحات غارقة في الدماء، بحسب شهادات العاملين هناك. وأظهرت تسجيلات موثقة كيف تحوّل المستشفى إلى ميدان قتال مصغّر وسط إطلاق نار وقصف مدفعي طال مبانيه.

في اليوم الثاني من الاشتباكات التي شهدتها مدينة السويداء، تعرض المستشفى الوطني لقصف مدفعي وإطلاق نار كثيف، ما دفع الطاقم الطبي والمتطوعين إلى الاحتماء داخل غرفة التصوير المقطعي بعيدًا عن النوافذ. خلال لحظة هدوء مؤقتة، خرج محمد بحساس، طالب الهندسة البالغ من العمر 22 عامًا، لاستطلاع الوضع، لكنه سرعان ما عاد بعد أن رفض عبور الطريق لمساعدة جنود حكوميين طلبوا منه التدخل لعلاج إصاباتهم.

بعد دقائق، اقتحمت مجموعة من الجنود المستشفى، وفقًا لتسجيلات كاميرات المراقبة، وأجبرت الطاقم الطبي على الخروج من غرفة الأشعة. أحد الجنود، الذي كان يرتدي زيًا يحمل شعار “قوى الأمن الداخلي”، تعرف على بحساس واتهمه برفض تقديم العلاج. اعتدى عليه بالضرب، ثم أطلق عليه النار مع جندي آخر، ما أدى إلى مقتله أمام زملائه، بحسب ما وثقته صحيفة “نيويورك تايمز”.

الصحيفة أشارت إلى أن الجنود صوروا العاملين الطبيين وهم يرفعون أيديهم، وسألوا إن كانوا قد تلقوا معاملة جيدة، في محاولة واضحة لتوثيق مشهد مغاير للواقع. أحد المتطوعين، يزن أبو هدير، أكد أن جثة بحساس كانت أمامهم أثناء التصوير، ما جعل الأسئلة تبدو ساخرة ومؤلمة.

في سياق متصل، وثقت الصحيفة عمليات اقتحام منازل في السويداء، حيث طاردت مجموعات مسلحة من القوات الحكومية وحلفائها رجالًا من الطائفة الدرزية، سواء كانوا مدنيين أو مسلحين. من بين الضحايا، ثلاثة شبان من عائلة عرنوس، أُجبروا على القفز من شرفة أحد المباني بعد أن اقتادهم المسلحون إليها، وفقًا لمقطع فيديو تحقق منه التقرير. سقطوا واحدًا تلو الآخر، وسط إطلاق نار، ما أدى إلى وفاتهم جميعًا.

كما تعرضت عائلة السرايا لهجوم مشابه، حيث اقتحم المسلحون المبنى السكني وطالبوا الرجال بالخروج. بعد أن طمأنهم أحد الجنود بأنهم سيكونون بأمان، اقتيدوا إلى ساحة تشرين، وهناك أُجبروا على الركوع قبل أن يُطلق عليهم النار، بحسب ما أظهرته تسجيلات مصورة.

الصحيفة وثقت أيضًا مشاهد مهينة تم فيها حلق شوارب رجال دروز بالقوة، في تصرفات وصفت بأنها تهدف إلى الإذلال. أحد المقاتلين ظهر في فيديو وهو يحمل مقصًا ويهدد بالذهاب إلى السويداء لـ”قص شوارب الرجال”، بينما أظهرت مقاطع أخرى رجالًا يُجبرون على الخضوع لهذا الفعل تحت التهديد.

ومن بين القصص المؤلمة، ما حدث للشيخ محسن هنيدي، البالغ من العمر 93 عامًا، والذي تُرك وحيدًا في منزله بعد أن اضطر ابنه عدنان إلى الفرار. لاحقًا، تلقى أفراد العائلة صورًا تظهر عدنان مقتولًا، كما ظهر الشيخ في فيديو وهو يُقص شاربه رغم محاولته الدفاع عن نفسه. نُقل لاحقًا إلى المستشفى وهو في حالة صحية حرجة، وتوفي بعد أيام.

عربي 21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى