اقتصاد

صناعة الدباغة في سورية.. إرث اقتصادي يواجه خطر الزوال!

كانت صناعة الدباغة في سورية يومًا من أهم ركائز الاقتصاد الوطني، إذ اشتهرت الجلود السورية بجودتها العالية، وكانت تُصدّر إلى الأسواق الأوروبية والخليجية لتُستخدم في صناعة الأحذية والحقائب الفاخرة.

لم تكن هذه الصناعة مجرد حرفة، بل إرثًا تراثيًا ومصدرًا للعملة الأجنبية وفرص عمل لآلاف الأسر.

لكن اليوم، يواجه هذا القطاع العريق خطر التراجع والانحسار بسبب جملة من التحديات الاقتصادية والتسويقية، أبرزها المنافسة الخارجية الشرسة، وضعف القدرة الشرائية في السوق المحلية، وهجرة الكفاءات الفنية، بحسب ما أكده عدد من الصناعيين السوريين.

من التراث إلى الحداثة… تطور لم يحمِ الصناعة من التراجع

يقول بلال أيوب، رئيس لجنة الدباغة في غرفة صناعة دمشق وريفها، إن الصناعة شهدت خلال العقود الماضية تطورًا ملحوظًا، من الدباغة النباتية التقليدية إلى الدباغة الحديثة بالكروم، مع محاولات لدمج التقنيتين بما يحقق الاستدامة ويحافظ على البيئة.

غير أن هذا التطور لم يكن كافيًا لمجاراة الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج والتسويق، ما جعل المنتج السوري يفقد قدرته على المنافسة في الداخل والخارج.

المنتجات البلاستيكية تُغرق السوق وتُضعف الحرفيين

ويشير أيوب إلى أن الأسواق الآسيوية أغرقت السوق السورية بأحذية وحقائب بلاستيكية رخيصة الثمن، لا يمكن منافستها من حيث السعر، ما دفع المستهلك السوري إلى الابتعاد عن الجلد الطبيعي عالي الجودة.

ومع غياب الدعم الحكومي والترويج الخارجي وتراجع المشاركة في المعارض الدولية، تراجعت مكانة الجلود السورية في الأسواق العالمية، خاصة بعد القيود السابقة على التصدير.

ويؤكد أيوب أن إنقاذ الصناعة يحتاج إلى خطة وطنية شاملة تبدأ من دعم الترويج والتصدير، وتفعيل المنصات الإلكترونية، وتشجيع إقامة المعارض، بالإضافة إلى إلزام المصنّعين بوضع بطاقة تعريفية توضّح ما إذا كان المنتج جلديًا طبيعيًا أم صناعيًا، تعزيزًا للشفافية وحمايةً للمستهلك، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا).

أزمة تهدد بإغلاق المعامل

بدوره، حذر جهاد الشامي، نائب رئيس لجنة الدباغة، من أزمة خطيرة قد تؤدي إلى إغلاق العديد من المعامل، موضحًا أن الصناعة تعتمد على ثلاث طرق رئيسية:

الدباغة النباتية

الدباغة الكرومية

الدباغة المختلطة

وتُستخدم في هذه العمليات جلود الأبقار والماعز والأغنام، وتبدأ المراحل من التمليح والغسل ونزع الشعر، وصولًا إلى التشطيب النهائي، وهي عمليات تحتاج إلى معدات حديثة وكوادر مدرّبة.

ويرى الشامي أن فتح باب استيراد الأحذية القماشية والصناعية الرخيصة، إلى جانب هجرة الفنيين المهرة، ساهم في تدهور القطاع.

ويقترح سلسلة من الإجراءات العاجلة، من بينها:

إنشاء مسلخ آلي حديث لتأمين المواد الخام

توفير مصادر مياه صناعية خاصة بالمنشآت

تأسيس معاهد تدريب مهني لتأهيل الكوادر

دعم الترويج الخارجي للمنتجات الجلدية السورية

منح قروض ميسّرة لاستيراد التقنيات الحديثة

الأمل ما زال قائمًا

ورغم الصعوبات، لا تزال سورية تصدّر جلود الغنم نصف المصنّعة إلى إيطاليا والهند، وجلود الأبقار إلى السوق الإيطالية، ما يعني أن فرصة النهوض بهذا القطاع لم تنتهِ بعد.

وتؤكد وفاء أبو لبدة، رئيسة القطاع الكيميائي في غرفة صناعة دمشق وريفها، أن دعم التصدير والمشاركة في المعارض الدولية يمثلان الطريق الأساسي لإحياء صناعة الدباغة، مشيرة إلى أن الغرفة تضع هذا الملف ضمن أولوياتها الإستراتيجية، وتعمل على تحليل التحديات وتطوير رؤى واضحة لتحسين جودة المنتج السوري وتعزيز قدرته التنافسية.

B2B

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى