الاخبار

من القواعد إلى الأرصفة.. ما الذي يريده الشرع من موسكو؟

بعد مرور عشرة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان أحد أبرز حلفاء موسكو في المنطقة، بات النفوذ الروسي في سورية شبه معدوم.

فقد انسحب معظم الجنود الروس من البلاد، فيما تحوّلت القواعد العسكرية والمشروعات الاقتصادية التي أقامتها روسيا خلال عقد من التدخل إلى مواقع مهجورة خالية من النشاط.

ورغم ذلك، منح الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، الذي قاد القوات المعارضة وأسقط نظام الأسد، موسكو هامش نفوذ محدود بدلاً من طردها نهائيًا من المشهد السوري.

وفي أول زيارة رسمية له إلى موسكو، التقى الشرع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مشهد يعكس انتقال العلاقة بين البلدين من التحالف القديم إلى براغماتية سياسية حذرة.

تقول الباحثة أصلي آيدنتاسباش من معهد بروكينغز بواشنطن: “الشرع يتبنى نهجًا براغماتيًا لا أيديولوجيًا، فهو يدرك أن خلق عدو جديد في هذه المرحلة قد يهدد استقرار حكمه في بيئة إقليمية مضطربة”.

مشاعر عداء عميقة تجاه روسيا

بالنسبة لغالبية السوريين، بما فيهم الثوار السابقون والعائدون من اللجوء، لم تتبدد مشاعر الغضب تجاه روسيا، التي دعمت نظام الأسد لعقود، وشاركت في حرب دموية استمرت 13 عامًا، نفذت خلالها غارات عنيفة على المدن والقرى السورية.

وخلال المباحثات التي جرت لاحقًا مع المسؤولين الروس، طالب القادة الجدد في دمشق بتسليم الأسد — الذي لجأ إلى موسكو — لمحاكمته على جرائم الحرب، وبأن تتحمل روسيا جزءًا من مسؤولية إعادة الإعمار وتعويض المتضررين من تدخلها العسكري.

لكن الحكومة الجديدة، التي تواجه تحديات اقتصادية وأمنية ضخمة، تسعى في المقابل لرفع العقوبات الدولية وتخفيف الفقر وضمان الاستقرار الداخلي، وهو ما قد يدفعها لتقديم تنازلات محدودة في العلاقات الخارجية.

القواعد الروسية.. بقايا نفوذ متداعٍ

تطمح موسكو للاحتفاظ بقاعدتيها الجويتين في حميميم والقامشلي، إلى جانب استمرار استخدامها لمرفأ طرطوس على البحر المتوسط كمركز لوجستي لتزويد سفنها المتجهة إلى إفريقيا.

لكن المحللين يؤكدون أن روسيا لم تعد تملك النفوذ السابق داخل سورية.

فبحسب مصادر أمنية سورية، أصبح الجنود الروس بحاجة إلى إذن مسبق من وزارة الداخلية قبل التنقل داخل البلاد، ولا يُسمح لهم بالحركة دون مرافقة أمنية. وتشير الباحثة آيدنتاسباش إلى أن “روسيا تحاول البقاء في سورية رغم الانكسار الكبير في صورتها ونفوذها”.

الباحث السوري المستقل عابد الثلجي يؤكد أن القاعدة البحرية في طرطوس فقدت أهميتها، حيث لم يعد يُسمح للروس باستخدام أكثر من رصيف واحد، بينما انتقلت الغواصات والسفن الروسية إلى موانئ في الجزائر وليبيا ومصر.

وفي صيف هذا العام، ألغت الحكومة السورية عقد إدارة مرفأ طرطوس المبرم مع موسكو، لتوقّع بدلاً منه اتفاقًا جديدًا مع شركة “دبي بورتس وورلد” بقيمة 800 مليون دولار لتطوير وتشغيل الميناء، بحسب مديره العام أحمد خليل.

علاقات تجارية محدودة

منذ رفع العقوبات الأمريكية جزئيًا عن سورية، عاد النشاط التجاري إلى مرفأ طرطوس، حيث أصبحت أرصفته مكتظة بالسفن.

ورغم ذلك، لا تزال موسكو تحتفظ بتجارة محدودة مع دمشق، تشمل تصدير الحبوب والوقود بأسعار منخفضة، كما رُصدت شحنات فولاذ روسية حديثة داخل الميناء.

اعتماد سياسي وأمني متبادل

على الصعيد الدبلوماسي، لا تزال سورية بحاجة إلى روسيا في مجلس الأمن، خصوصًا في الملفات الأمنية الحساسة، إذ إن الرئيس الشرع ووزير داخليته ما زالا مدرجين على قوائم العقوبات الأممية.

كما تحتاج دمشق إلى دعم موسكو في تنفيذ معاهدة فض الاشتباك في الجولان، في ظل الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة منذ نهاية عام 2024.

وقد كثفت إسرائيل غاراتها الجوية منذ سقوط النظام، مستهدفة مقرات عسكرية في دمشق، بدعوى منع تسرب أسلحة النظام القديم إلى جهات معادية.

اتصالات دبلوماسية جديدة

في أيلول الماضي، زار نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك دمشق في محاولة لإعادة ترتيب العلاقات، حيث استقبله ماهر الشرع — شقيق الرئيس والمسؤول عن الملف الروسي في الرئاسة — والذي يجيد اللغة الروسية ومتزوج من روسية. وأعقب الزيارة لقاءات عسكرية متبادلة بين البلدين لم يُكشف عن تفاصيلها بعد.

وتعتقد آيدنتاسباش أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد يلعب دور المستشار السياسي للشرع، مشيرة إلى أنه “يحاول الموازنة بين رضا الغرب والتقارب مع روسيا لتحقيق مصالح بلاده الأمنية والاقتصادية”.

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى