بيدرسن: سوريا قد تتحول إلى “ليبيا جديدة” إن لم تُصحح مسارها

حذر مسؤول أممي رفيع من أن سوريا تقف الآن على “شفا الهاوية” وتحتاج بشكل عاجل إلى “تصحيح المسار”، بعد أن فاقمت الاشتباكات الطائفية وبطء وتيرة الإصلاح السياسي من هشاشة المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد.
وقال غير بيدرسن، المبعوث الأممي السابق إلى سوريا، إن الأوضاع المتوترة داخل البلاد، نتيجة لتصاعد التوترات الطائفية ومحاولات الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع تطبيق إصلاحات أمنية وقضائية، قد أدت إلى تراجع الثقة الشعبية، حتى بين من كانوا متفائلين ببداية جديدة.
وأضاف: “الوضع في سوريا الآن بالغ الخطورة. هي بالفعل على حد السيف، ولا يمكن التغاضي عن ذلك. أي عملية تغيير سياسي تحتاج إلى وقت، لكن على الرئيس الشرع اتخاذ خطوات واضحة لتعديل المسار.”
مخاوف من تكرار النموذج الليبي
وأشار بيدرسن إلى أن أحد أسوأ السيناريوهات المحتملة هو أن تتحول سوريا إلى “نسخة ثانية من ليبيا”، في إشارة إلى الانقسام الحاصل في ليبيا بعد الإطاحة بمعمر القذافي، حيث تفككت الدولة إلى مناطق نفوذ متناحرة.
وتابع: “لا أحد يريد أن يرى سوريا تنهار بهذه الطريقة، لكن الخطر حقيقي وقائم بالفعل.”
عام على سقوط الأسد وانتخابات رمزية
وجاءت تصريحات بيدرسن بعد مرور نحو عام على الهجوم الذي قاده الشرع وأدى إلى إسقاط بشار الأسد ونهاية حكم عائلة الأسد الذي امتد لأكثر من نصف قرن. وقد شهدت البلاد مؤخراً انتخابات برلمانية وُصفت بأنها رمزية في أغلب جوانبها، وتُعتبر اختباراً لمدى التزام القيادة الجديدة بإرساء قواعد التمثيل السياسي الحقيقي.
تآكل الثقة الشعبية
رغم أن سقوط الأسد قوبل بترحيب واسع داخل الشارع السوري، وخصوصاً بعد تسلُّم الشرع زمام الحكم، إلا أن الانقسامات الطائفية وسجل فصيله السياسي، هيئة تحرير الشام، أثارت قلق شرائح واسعة من المجتمع، لا سيما الأقليات.
الشرع، الذي سبق له مبايعة تنظيم القاعدة في فترات سابقة، وعد بتأسيس دولة جامعة تحترم حقوق جميع المكونات السورية. ورغم تعهده بحماية الأقليات، إلا أن الممارسات الأخيرة من قبل قواته الأمنية زعزعت هذه الوعود، خاصة بعد اشتباكات دموية ذات طابع طائفي.
صدامات طائفية ودموية في اللاذقية والسويداء
شهدت محافظة اللاذقية في مارس الماضي اشتباكات دامية بين موالين للنظام السابق من الطائفة العلوية وقوات تابعة للشرع، خلفت أكثر من 1400 قتيل. كما اندلعت أحداث عنف في السويداء بين قوات الأمن وأبناء الطائفة الدرزية والبدو خلال يوليو، مما زاد من تعقيد الوضع.
تعقيد المشهد بسبب التدخل الإسرائيلي
الهجمات الجوية الإسرائيلية على مواقع عسكرية سورية، خصوصاً تلك التابعة لوزارة الدفاع في دمشق، بحجة حماية الدروز، زادت من التوتر في المنطقة الجنوبية وأثارت مخاوف من تفجر الوضع أكثر.
وفي هذا السياق، قال بيدرسن: “البعض يرى أن الشرع لا يملك السيطرة الكاملة على الأوضاع، وهو ما يضع علامات استفهام حول مستقبل العملية الانتقالية برمتها.”
بطء الإصلاح الأمني وتنامي نفوذ الفصائل
رغم انضمام العديد من الفصائل السنية التي دعمت إسقاط الأسد إلى حكومة الشرع، فإن بيدرسن يرى أن عملية دمجها في الدولة ما تزال بطيئة وغير فعالة، معتبراً أن تلك الفصائل بدأت في ترسيخ مناطق نفوذها الخاصة، ما يهدد وحدة البلاد.
كما انسحبت قوات الحكومة من محافظة السويداء، ما تركها تحت سيطرة الفصائل الدرزية الرافضة للانضمام إلى الهيكل الإداري الجديد.
مأزق العلاقة مع الأكراد
في الشمال الشرقي، ما تزال القوات الكردية، المدعومة من الولايات المتحدة، تسيطر على مساحات واسعة. رغم توقيع اتفاق في مارس الماضي لدمج نحو 60 ألف مقاتل كردي ضمن قوات الدولة، لم تُسجل أي خطوات تنفيذية حقيقية، خاصة بعد تصاعد الأحداث في السويداء.
وأكد بيدرسن أن الشرع أبدى استعداداً لمنح الأكراد حقوقهم السياسية، لكن التطورات الأخيرة عمّقت الهوة بين الطرفين.
الحاجة إلى عدالة انتقالية حقيقية
أشاد بيدرسن بقرار الشرع السماح بتحقيقات دولية مستقلة في أحداث اللاذقية والسويداء، لكنه انتقد بطء التقدم في ملف العدالة الانتقالية، الذي من المفترض أن يشمل الجرائم المرتكبة في عهد الأسد، وكذلك ما حدث بعد سقوطه.
وأضاف أن تعيين قضاة محسوبين على إدلب، المعقل السابق لهيئة تحرير الشام، قد يثير الشكوك حول استقلالية الجهاز القضائي في المرحلة الجديدة.
“الشرع يجب أن يطمئن السوريين”
واختتم بيدرسن تصريحه قائلاً إن الشرع، رغم تجربته الطويلة في إدلب وقدرته على كسب الشارع هناك، يجب أن يُظهر نفس الحكمة على مستوى البلاد، وأن يقدم تطمينات حقيقية للسوريين بأنه لا يبني نسخة جديدة من الاستبداد.
وقال: “السوريون بحاجة لأن يشعروا أن ما يحدث هو بداية جديدة، لا مجرد تغيير في الوجوه.”
تلفزيون سوريا



