مسيرة الشيباني… من ساحات المعارك إلى المحافل الدولية

في بلد أنهكته الحروب والصراعات، برز اسم أسعد الشيباني كوجه غير تقليدي للدبلوماسية السورية، جامعًا بين التجربة الميدانية والخبرة السياسية، ليقود وزارة الخارجية في مرحلة مفصلية من تاريخ سوريا، وسط تحولات إقليمية متسارعة ومعادلات دولية معقدة.
بدأت رحلة الشيباني من قلب المعارك، حيث كان أحد القياديين في “هيئة تحرير الشام”، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية لسوريا الجديدة. مسيرته تختصر تحولات الانتفاضة السورية بكل تناقضاتها: من السلاح إلى السياسة، ومن السرية إلى العلن، ومن المعارضة المسلحة إلى تمثيل الدولة في المحافل الدولية.
اتفاقية المدن الأربع: أول بصمة سياسية
في أبريل 2017، وبينما كانت الحرب السورية في أوجها، شهدت البلاد واحدة من أكثر الصفقات تعقيدًا، وهي “اتفاقية المدن الأربع”، التي تضمنت تبادلًا بين بلدتي كفريا والفوعة المحاصرتين من قبل المعارضة، مقابل فك الحصار عن الزبداني ومضايا. وكان الشيباني، المعروف حينها باسم “أبو عائشة”، أحد الموقعين على الاتفاق، في أول ظهور سياسي له قبل أن يتحول لاحقًا إلى وزير خارجية سوريا.
من الحسكة إلى إسطنبول: رحلة علمية وسياسية
ولد الشيباني في بلدة أبو راسين بمحافظة الحسكة عام 1987، وانتقل لاحقًا إلى دمشق حيث درس اللغة الإنجليزية في جامعة دمشق. ومع اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011، انخرط في صفوف المعارضة، وتدرج في المناصب داخل “جبهة النصرة” ثم “فتح الشام”، ليصبح المتحدث الرسمي باسمها. لاحقًا، استقر في إدلب وأسهم في تأسيس “حكومة الإنقاذ”، قبل أن يتابع دراسته العليا في إسطنبول ويحصل على الماجستير ثم الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
رجل الظل يتحول إلى واجهة الدبلوماسية
خلال سنوات عمله في المعارضة، استخدم الشيباني عدة أسماء مستعارة لأسباب أمنية، منها “زيد العطار” و”حسام الشافعي”. وكان مسؤولًا عن العلاقات الخارجية في “هيئة تحرير الشام”، وأدار ملفات حساسة مثل المقاتلين الأجانب والتفاوض مع الفرنسيين بشأن الهجرة غير الشرعية. هذه التجربة مكنته من فهم طبيعة الدبلوماسية الدولية، وأهلته لاحقًا لتولي منصب وزير الخارجية بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، ثم تجديد الثقة به في الحكومة الجديدة.
جولات إقليمية وانفتاح دولي
منذ تعيينه، بدأ الشيباني بتنفيذ سياسة خارجية تهدف إلى إعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي. أجرى زيارات إلى السعودية وقطر والإمارات والأردن، وشارك في قمة الحكومات العالمية بدبي، كما زار بغداد رغم التوترات مع العراق. وفي مؤتمر ميونيخ للأمن ومنتدى دافوس، مثّل سوريا لأول مرة، مؤكدًا أن بلاده استعادت كرامتها وتسعى لعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل.
تحديات أمام إعادة بناء الثقة الدولية
رغم الإنجازات، يواجه الشيباني تحديات كبيرة، أبرزها إعادة بناء الثقة الدولية في سوريا، التي ظلت تُصنف كدولة راعية للإرهاب منذ عام 1979. ويعمل على فصل صورة سوريا الجديدة عن ماضيها، من خلال تعزيز العلاقات مع الدول العربية والغربية، وتأسيس أقسام جديدة في وزارة الخارجية، منها قسم خاص بشؤون المغتربين، ومنصات إلكترونية لتسهيل الخدمات القنصلية.
الشيباني… صوت سوريا الجديد
يُنظر إلى الشيباني اليوم كأحد أبرز رموز سوريا الجديدة، لما يجمعه من خبرة سياسية، ونشاط ثوري، وعلاقات دولية واسعة. علاقته الوثيقة بالرئيس أحمد الشرع، وشعبيته المتزايدة، جعلته واجهة دبلوماسية قادرة على إعادة صياغة صورة سوريا في أعين العالم، وانتزاعها من عزلتها الطويلة.
اندبندت عربية



