العلاقات الأميركية – السورية: مد وجزر وتشابك مصالح جيوسياسية

من المتوقع أن يزور الرئيس السوري أحمد الشرع الولايات المتحدة في سبتمبر الجاري، حيث سيلقي خطاباً عن سوريا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. بذلك، يصبح الرئيس السوري الأول الذي يتحدث في هذا المحفل الدولي منذ نحو 60 عاماً. كانت آخر مرة تحدث فيها رئيس سوري أمام الجمعية العامة في عام 1967، عندما ألقى الرئيس نور الدين الأتاسي، الذي كان في منصب رئيس الجمهورية خلال تلك الفترة، كلمة في أعقاب هزيمة حرب يونيو. جاء الأتاسي إلى الرئاسة إثر انقلاب عسكري على الرئيس أمين الحافظ في “حركة فبراير” عام 1966، التي قادها حافظ الأسد ورفاقه في اللجنة العسكرية البعثية.
لكن الأتاسي لم يدم طويلاً في منصبه، فسرعان ما تم إقصاؤه مع آخرين من رفاقه، أبرزهم الجنرال صلاح جديد، في “الحركة التصحيحية” عام 1970، ليحل محلهم حافظ الأسد. في عام 1971، أصبح الأسد رئيساً لسوريا عبر استفتاء لم يكن هناك منافسون فيه، حيث حصل على أكثر من 99% من الأصوات.
عندما توفي حافظ الأسد في عام 2000، وُصف بأنه الرئيس الذي حكم سوريا لمدة 30 عاماً دون أن يزور أميركا، رغم أن العديد من رؤساء العالم زاروا دمشق لحل قضايا المنطقة. وبعده، سار بشار الأسد على نفس النهج، إذ لم تطأ قدماه الأراضي الأميركية طوال فترة حكمه.
حافظ الأسد كان قد تأثر بعدد من الرموز السياسية في العالم، مثل لينين وعبدالناصر، وكان يسعى لأن يكون شخصية عربية بارزة مشابهة لهذه الرموز. كما كان يحاول الاستفادة من الفكر الماركسي، لكنه فشل في تحقيق هذا الطموح. ورغم ذلك، سعى أن يُذكر كالرئيس الذي لم يزر أميركا، بينما كان يدير سوريا من قصره في دمشق.
منذ تولي حافظ الأسد الحكم في عام 1971، شهدت العلاقات السورية – الأميركية تعقيدات وصراعات كبيرة على مدار العقود، خاصة بسبب الخلافات في قضايا مثل الحرب الباردة، الصراع العربي الإسرائيلي، والحرب الأهلية اللبنانية. في عام 1974، زار الرئيس الأميركي نيكسون دمشق في محاولة لتحسين العلاقات بعد قطيعة استمرت منذ حرب 1967، لكن هذه العلاقات تدهورت مجددًا بعد فرض الولايات المتحدة عقوبات على سوريا في عام 1979.
رغم ذلك، كانت العلاقات بين سوريا والاتحاد السوفياتي قوية خلال فترة حكم حافظ الأسد، حيث دعم السوفيات دمشق في مواجهة العديد من التحديات العسكرية والسياسية، لكن هذا التعاون بدأ يتراجع مع وصول غورباتشوف إلى السلطة في الثمانينيات.
العلاقات الأميركية – السورية شهدت تحولات كبيرة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. فقد تدهورت بشكل كبير خلال فترة حكم جورج بوش الذي وضع سوريا ضمن “محور الشر” بعد اتهامها بتسهيل مرور الإرهابيين إلى العراق، مما أدى إلى فرض عقوبات جديدة. حتى مع وصول باراك أوباما إلى الرئاسة، حاول فتح صفحة جديدة مع سوريا، لكن الأحداث في سوريا كانت تسير نحو التصعيد بعد اندلاع الثورة السورية في 2011.
التحول الأبرز حدث بعد وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث بدأت الولايات المتحدة في محاولات لإصلاح العلاقات مع دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد. في الآونة الأخيرة، جرت لقاءات بين الرئيس السوري أحمد الشرع والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، مما أثار تفاؤلاً حول بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين.
إدارة ترامب أعربت عن رغبتها في فتح “عصر جديد” مع سوريا، متعهدة برفع العقوبات الاقتصادية التي فرضت على دمشق، والتي كان لها تأثير سلبي على الاقتصاد السوري. هذا التحول في السياسة الأميركية يشير إلى أفق جديد للتعاون والاستثمار في سوريا، وهو ما قد يعود بالفائدة على الشعب السوري والمنطقة بشكل عام.
اندبندت عربية



