كيف أراد السوريون دولتهم قبل 100 عام؟

في عام 1919، شكّل الرئيس الأميركي السابق وودرو ويلسون لجنة استقصاء برئاسة تشارلز ريتشارد كراين (مستشاره لملفات الشرق) وهنري تشرشل كينغ (رئيس جامعة أوبرلين الأميركية)، بهدف الاطلاع على آراء السوريين وتطلعاتهم السياسية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
وتُعد نتائج تلك اللجنة أول استبيان ميداني للرأي العام السوري في التاريخ، إذ عملت اللجنة بين 10 يونيو و21 يوليو 1919، وجمعت معلومات دقيقة حول أحوال الشعب السوري وطموحاته تجاه شكل الدولة والحكم.
كان الهدف المعلن هو مساعدة الرئيس ويلسون في صياغة موقف أميركي واضح من قضايا الشرق الأوسط، سواء خلال مفاوضات السلام في باريس أو في عضوية سوريا المحتملة في عصبة الأمم لاحقًا.
جولات الاستطلاع وزيارات ميدانية
سافرت اللجنة عبر سوريا وفلسطين ولبنان، شملت زيارات إلى دمشق والقدس وبيروت، إضافة إلى نحو 36 قرية ومدينة. خلال تلك الجولة، التقت اللجنة أفرادًا وممثلين عن جماعات متنوعة، فئات دينية وعرقية، وقرأت مئات الالتماسات التي عبّرت عن رغبات السكان.
السياق التاريخي: تحالفات وتقسيمات ما بعد الحرب
مع انهيار الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، دخلت القوى الكبرى – بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة – في مشاورات لتقسيم المنطقة وإعادة رسم خرائطها. وسوريا التي سيطر عليها الأمير فيصل بعد انسحاب العثمانيين، وجدت نفسها عرضة لخطة اقتسام نفوذ تُعرف باتفاقية “سايكس – بيكو”.
في يناير 1919، سافر الأمير فيصل إلى مؤتمر السلام في باريس للمطالبة باعتراف الدول الكبرى بشعوب المنطقة ككيانات ذات سيادة، وطلب أن تُحدَّد الحدود بناءً على رغبات السكان. اعتمد في ذلك على مبدأ “حق الشعوب في تقرير مصيرها” الذي دعا إليه ويلسون في خطاباته.
لكن فرنسا وبريطانيا رفضتا منح سوريا حرية كاملة، واقترحا فرض الانتداب الأوروبي. لتهدئة التوترات، اقترح ويلسون إنشاء لجنة متخصصة تستطلع رأي السوريين، فوافق المؤتمر، وأُطلقت اللجنة الأميركية “كينغ – كراين” لبدء العمل ميدانيًا في يونيو 1919.
نتائج اللجنة ومطالب السوريين
عند وصولها إلى دمشق يوم 25 يونيو، حضرت اللجنة مناسك ليلة القدر في الجامع الأموي، ولاحظت التفاعل الشعبي والجماهيري الحاشد. في يوم لاحق، التقت اللجنة بالأمير فيصل الذي أخبرهم أن نسبة المطالبين باستقلال سوريا بلغت 100 %، وهي نتيجة تعكس وحدة المغزى الوطني آنذاك.
ناقشت اللجنة مع علماء الدين والمثقفين عدة نقاط مركزية، منها:
استقلال كامل لسوريا
رفض أي تدخل فرنسي
معارضة المشروع الصهيوني في فلسطين
اقتراح الولايات المتحدة كقوة منتدبة بديلة
كما اجتمعت اللجنة مع شخصيات من الطوائف المسيحية واليهودية والدرزية، وأعيان المدن وأندية سياسية، وجدت غالبية الأطراف توافقًا حول معظم تلك النقاط، رغم بعض التحفظات عند بعض الزعماء الدينيين.
من الملاحظات اللافتة في التقرير، أنه التقى بمجموعة مكونة من 12 سيدة من أقارب الشهداء، ورفعن الحجاب أثناء اللقاء كإشارة رمزية إلى الحضور العام المباشر للنساء في الحياة السياسية، مما أثار دهشة أعضاء اللجنة.
عند اختتام زياراتها، أصدرت اللجنة ما عُرف بـ “برنامج دمشق”، الذي صاغ من خلاله السوريون رؤيتهم للدولة المستقلة: تضمّن المشروع الدعوة لوحدة البلاد، نظام دستوري ديمقراطي، حماية للأقليات، ونبذ أي تقسيم داخلي.
وقد قُدِّر عدد سكان سوريا آنذاك بـ 3.2 مليون نسمة تقريبًا، تنقسم إلى المسلمين والمسيحيين والدرزيين واليهود وأقليات أخرى، حسب بيانات اللجنة التي التقت مئات المجموعات السياسية والاجتماعية والدينية في أنحاء البلاد.
أكثر من 80 ٪ من الالتماسات التي قدّمت للجنة طالبت بـ سوريا موحدة، وأكثر من 70 ٪ طالبت بـ استقلال سياسي كامل، وقرابة 60٪ رغبت بأن يكون النظام ملكياً دستورياً، بينما أكثر من 85٪ رفضوا المشروع الصهيوني في فلسطين.
ما بعد التقرير… آمال محطمة
في العاشر من يوليو، أرسل كراين وكينغ برقية إلى ويلسون أكّدا فيها أن رغبة السوريين في الوحدة والاستقلال أمر لا يمكن تجاهله. ولكن مع تعارض المصالح الفرنسية والبريطانية، وتردد الولايات المتحدة في تحمل مسؤولية سياسية تجاه سوريا بعد الحرب، تم إخفاء التقرير في أرشيف وزارة الخارجية الأميركية.
في نهاية المطاف، لم يُنفذ التقرير كما كان مقرَّراً، وأُقفل المجال على آمال السوريين في اعتماد توصياته، لتعود الأحداث والتدخلات الدولية تكتب تاريخ المنطقة بطرق مختلفة.
ومع مرور أكثر من مئة عام، يبدو أن الغرب – بحسب بعض التصريحات الأميركية الحديثة – يعترف بأن فرض خرائط وانتدابات أفقد المنطقة فرصتها في بناء مستقبل مستقل، وأن الحلول اليوم تميل إلى الشراكة الإقليمية والدبلوماسية القائمة على احترام سيادة الشعوب.



