الاخبار

الغرف الأمنية في قلب أول ثانوية بسوريا.. ما الذي كشفه ترميم جودة الهاشمي؟

مدرسة جودة الهاشمي، التي كانت تُعرف سابقاً باسم “التجهيز الأولى”، تُعتبر أقدم ثانوية رسمية في سوريا، وأحد أقدم المعالم التعليمية في تاريخ البلاد. تأسست في الثلاثينيات من القرن الماضي، وقد شكّلت نقطة تحول كبيرة في مسيرة التعليم الثانوي السوري، وكانت مركزاً للنشاط الوطني حيث شهدت انطلاق مظاهرات ضد الانتداب الفرنسي وخرجت منها أسماء بارزة في التاريخ السوري.

لكن ما كشفت عنه أعمال الترميم التي جرت بعد تحرير دمشق أثار العديد من التساؤلات حول كيفية تعامل نظام الأسد مع هذا الصرح التاريخي، حيث تم عزل أقسام كاملة من المدرسة وتحويلها إلى استخدامات أمنية بعيدة كل البعد عن رسالة التعليم والتربية.

أثناء الترميم، اكتشف فريق العمل وجود غرف أمنية مجهزة بأجهزة اتصال مرتبطة بمقار خارجية، بالإضافة إلى مرافق مخفية ومغلقة لعقود خلف جدران إسمنتية، مما حول المدرسة إلى ما يشبه السجن أكثر منها مؤسسة تعليمية.

مبادرة الترميم ودور الطلاب القدامى

انطلقت فكرة ترميم المدرسة من مجموعة من خريجي جودة الهاشمي المقيمين في الخارج، الذين تابعوا تدهور مدرستهم بسبب الإهمال والفساد. بعد سقوط النظام في دمشق، بدأ هؤلاء الطلاب القدامى محاولة جدية لإعادة إحياء المدرسة، لكنهم واجهوا صعوبات في التمويل والتحويلات المالية، فطلبوا الدعم من منظمة “رحمة بلا حدود” الأميركية، التي لعبت دور الوسيط في تقديم الدعم المالي واللوجستي.

المهندس ناظم الحكيم، المشرف على الترميم، وصف الوضع عند دخوله المدرسة لأول مرة قائلاً إنه فوجئ بكميات كبيرة من الأنقاض والروائح الكريهة، وأبواب حديدية وفواصل غريبة تعزل أجزاء من المدرسة وكأنها سجن لا مؤسسة تعليمية.

اكتشافات صادمة داخل المدرسة

من أبرز ما كشفه فريق الترميم غرفتان مغلقتان بأبواب ونوافذ حديدية سميكة، إحداهما كانت قاعة اجتماعات مجهزة بهواتف اتصال مع قيادات أمنية، والأخرى تحتوي على تجهيزات غير مألوفة تشمل شاشة كبيرة وأجهزة تكييف وأسرّة.

كما عثر الفريق خلف جدار من البلوك على مرافق مهجورة ومطمورة تضم دورات مياه مهملة منذ سنوات طويلة، وهي الآن قيد التأهيل لتخدم الطلاب، بما في ذلك تجهيز قسم خاص بذوي الاحتياجات الخاصة.

بالإضافة إلى ذلك، وجدوا مختبرًا علميًا قديمًا مكدسًا بالأنقاض والفرشات المهترئة، مما يعكس مدى الإهمال الذي تعرضت له مرافق كانت أساسية للعملية التعليمية.

الواقع المأساوي قبل الترميم

أوضح فريق الترميم أن حوالي 40% من المبنى كان محتلاً من قبل جهات أمنية أو المحافظة، و35% من المرافق كانت خارج الخدمة بسبب الإهمال، فيما بقي نحو 25% فقط من المساحات مخصصة بالفعل للأنشطة التعليمية قبل بدء الترميم.

ماذا شمل مشروع الترميم؟

تضمنت أعمال الترميم إعادة طلاء الصفوف والممرات بألوان موحدة، وإزالة طبقات الدهان التي شوهت الحجر الطبيعي للمبنى، ليعود إلى شكله التاريخي الأصلي.

كما جرى تأهيل شبكة الكهرباء بالكامل وتركيب إنارة جديدة منظمة، بالإضافة إلى تجهيز القاعات الدراسية بمقاعد ولوحات حديثة، مع إعادة توزيع المقاعد لخلق بيئة تعليمية مناسبة.

ولم يُغفل الترميم تجهيز قاعة للمعلمين مزودة بمرافق راحة تعكس احترام الدور التعليمي، مع تركيب نظام طاقة شمسية لضمان استمرار الإضاءة رغم انقطاع الكهرباء المتكرر.

ومن الإضافات المميزة أيضاً إنشاء موقف للدراجات الهوائية، تلبيةً لاحتياجات الطلاب الذين يعتمدون على الدراجات كوسيلة نقل رئيسية.

تكلفة الترميم ودعم المهجر

بلغت تكلفة ترميم المدرسة حوالي 250 ألف دولار، منها 25 ألف دولار مقدمة من منظمة “رحمة بلا حدود”، التي تسهل تحويل الأموال إلى داخل سوريا رغم العقوبات المالية المفروضة.

تولت شركة “ألفا” تنفيذ معظم الأعمال، مع إشراف مهندس ناظم الحكيم الذي كُلف من قبل المتبرعين لضمان جودة التنفيذ.

تاريخ المدرسة وأهميتها

تأسست ثانوية التجهيز الأولى عام 1929، واكتمل بناؤها عام 1933، لتُفتتح رسمياً في 1936. وقد لعبت دوراً بارزاً في التعليم والسياسة، حيث كانت مركزاً للطالب الوطني ضد الاحتلال الفرنسي.

في منتصف خمسينيات القرن الماضي، أُطلق عليها اسم “جودة الهاشمي” تكريماً لمديرها المؤسس أحمد الحسني الجزائري “جودة”، الذي توفي عام 1955.

اليوم، وبعد عقود من الإهمال، أعاد خريجو المدرسة من الخارج بعزيمتهم ومواردهم الحياة إلى هذا الصرح، لتستعيد بذلك جزءاً من رسالتها الأصلية كمنارة للعلم ومكان يحترم الطالب والمعلم، كما كان مؤسسوها يطمحون قبل نحو قرن من الزمن.

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى