الاخبار

ما هي خريطة المسيحية الأميركية التي تؤمن بعودة الرسل والأنبياء؟

في أجواء مشحونة وتحت أضواء قاعة الكونغرس الأميركي، وقف مايك جونسون، رئيس مجلس النواب، ليُعلن بصوت ثابت أن “دعم إسرائيل واجب مقدس”، جملة تكررت في خطبه أكثر من مرة، تعكس تحوّلًا عميقًا في الخطاب السياسي الأميركي، حيث تتداخل السياسة بالدين بطريقة تبدو كطقوس دينية أكثر منها خطابًا رسمياً في دولة تُعرف بعلمانيتها.

هذه التصريحات لم تكن مجرد موقف سياسي مؤقت، بل هي جزء من أزمة أيديولوجية متصاعدة في الولايات المتحدة، حيث بدأت القومية المسيحية تكتسب نفوذًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة، فتتحكم في البيت الأبيض والكونغرس، بل وحتى في البيروقراطية، وتعيد تشكيل مفهوم الأمة الأميركية: هل هي دولة تعددية علمانية أم مملكة تُحكم بقيم دينية؟

لم تعد القومية المسيحية فكرة هامشية بين متطرفين، بل أصبحت مشروعًا مركزيًا له تأثير قوي، خصوصًا مع صعود دونالد ترامب الذي جعل من الرموز الدينية جزءًا من حملاته السياسية، مما جعل الدين عنصرًا لا يُفصل عن السياسة. وعلى الرغم من صعوبة تعريف القومية المسيحية بدقة، إلا أنها تعبر عن رؤية سياسية ترى أن أميركا دولة تأسست على القيم المسيحية ويجب أن تُحكم وفقًا للكتاب المقدس، مع تفاوت بين من يريدون دولة ثيوقراطية كاملة ومن يرون المسيحية إطارًا أخلاقيًا للحكم.

وقد أظهرت دراسات، مثل تلك التي أجراها المعهد الأميركي لأبحاث الدين، أن حوالي 30% من الأميركيين يؤيدون أو يتعاطفون مع القومية المسيحية، مع تركيز أعلى بين الجمهوريين، بينما يتزايد ارتباط هذه الأفكار بين كبار السن وأصحاب المستويات التعليمية الأقل. كما تتوزع هذه الأيديولوجيا بشكل مكثف في ولايات الجنوب مثل ميسيسيبي وأوكلاهوما ولويزيانا.

ومن أبرز الجماعات الداعمة لهذه الرؤية حركة “الجبال السبعة” التي تسعى للسيطرة المسيحية على مفاصل الحياة السبعة الأساسية: الأسرة، الدين، التعليم، الإعلام، الفن والترفيه، الحكومة، والأعمال. يقود هذه الحركة ناشطون مثل تشارلي كيرك، الذي يُعد صوتًا بارزًا في الدفاع عن هذه الأفكار داخل المشهد السياسي الأميركي.

إضافة إلى ذلك، حركة “الإصلاح الرسولي الجديد” التي ترى في دونالد ترامب “جنديًا إلهيًا” لمحاربة قوى الإلحاد، وتسعى لفرض هيمنة دينية على المجتمع والسياسة الأميركية. كما تلعب مؤسسة “زيكلاغ” دورًا خفيًا وماليًا مهمًا، حيث تضم نخبة من الأثرياء المسيحيين الذين يدعمون نشر نفوذ القومية المسيحية عبر تمويل حملات سياسية وتنظيمية.

هذه التطورات تعكس تحولًا جوهريًا في الولايات المتحدة، حيث لا تقتصر القومية المسيحية على الدين فقط، بل تمثل مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا يسعى لتغيير جذري في بنية الدولة الأميركية وقيمها، في ظل ضعف الخطاب العلماني الليبرالي في تقديم بدائل شاملة تحافظ على فصل الدين عن الدولة دون إقصاء.

إذا استمر هذا الاتجاه، فقد تشهد الولايات المتحدة تغيرًا عميقًا في هويتها الوطنية، مع تأثيرات قد تتجاوز السياسة الداخلية لتشمل العلاقات الخارجية والمجتمع ككل، مما يطرح تحديات حقيقية للحفاظ على قيم التعددية والديمقراطية التي قامت عليها البلاد.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى