البرنامج السري المرعب الذي قادته الاستخبارات الأميركية للتلاعب بالعقول

في عالم يبدو وكأنه مقتبس من صفحات رواية “1984” الشهيرة للكاتب البريطاني جورج أورويل، كشفت هيئة الإذاعة الكندية (سي بي سي) في عام 2020 عن سلسلة بودكاست بعنوان “غسيل الدماغ” (Brain Washed)، تروي قصصًا مروعة لضحايا برنامج سري للتعذيب قادته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بالتعاون مع الحكومة الكندية.
هذا البرنامج المعروف باسم “المشروع إم كي ألترا” (MK Ultra) يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث كان هدفه تطوير عقاقير وأساليب قادرة على السيطرة على عقول البشر و”غسل أدمغتهم” باستخدام مزيج من العقاقير المهلوسة، الصدمات الكهربائية، والتنويم المغناطيسي.
كان التشابه بين أساليب التعذيب التي استخدمها هذا المشروع والواقع المرعب في رواية أورويل ملفتًا، حيث تصور الرواية دولة قمعية تستخدم العنف والتعذيب للتحكم بالعقول، وتحوّل الحقائق إلى أكاذيب مقبولة، ما جعل الناس يعتنقونها عن قناعة.
في الرواية، يعاني بطلها “ونستون” من عمليات تعذيب نفسية وجسدية قاسية في غرفة تُعرف بـ”الغرفة 101″، حيث يُجبر على قبول أكاذيب تتحدى المنطق والواقع، مثل أن “2+2=5″، ويخضع لصدمات كهربائية وتعذيب نفسي يحطم إرادته بالكامل.
هذا السيناريو المرعب لم يكن بعيدًا عن الحقيقة، فقد حاولت وكالة الاستخبارات الأميركية من خلال “إم كي ألترا” تنفيذ تجارب مماثلة على البشر، حيث أصبح الضحايا مجرد “فئران تجارب” تعرضوا لتعذيب نفسي وجسدي تحت ذرائع علمية مزيفة.
امتدت هذه التجارب عبر الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا، وكان من بين أماكن التجارب معهد آلان التذكاري في مونتريال، حيث تعرض أطفال من السكان الأصليين لصدمات كهربائية وعقاقير مهلوسة أدت إلى وفاتهم، وتم دفنهم في قبور سرية.
في خضم الحرب الباردة، كان سباق السيطرة على العقول هاجسًا للأطراف المتصارعة، وقد تجسد ذلك في فيلم “المرشح المنشوري” (The Manchurian Candidate) عام 1962، الذي يصور قصة جندي أميركي أُعيد برمجته ليصبح قاتلًا مأجورًا تحت سيطرة قوى شيوعية.
وبالفعل، بدأت وكالة الاستخبارات الأميركية في البحث عن أسلحة للتحكم في العقول، وكان الطبيب النفسي والكيميائي سيدني غوتليب المسؤول عن تطوير عقار “LSD” (إل إس دي)، الذي اعتُبر المفتاح المحتمل لغسل أدمغة البشر.
بدأ غوتليب بتوزيع العقار في مستشفيات نفسية وسجون ومراكز احتجاز سرية حول العالم، وطلب من الباحثين دراسة تأثيراته وطرق استخدامه للسيطرة على العقول.
تأسست جمعية بحوث البيئة البشرية في نيويورك عام 1954 كواجهة تمويل سرية لوكالة الاستخبارات، لتوفير الدعم المالي لأبحاث التحكم في السلوك البشري، وتم إجراء تجارب سرية في أماكن مختلفة، مع إخفاء هويات الضحايا واستخدام أسماء مستعارة.
ومن بين ضحايا هذه التجارب كانت إيستر شراير، التي تعرضت لعلاج قاسٍ في معهد آلان التذكاري بكندا، حيث خضعت لصدمات كهربائية وعقاقير مهلوسة تحت إشراف الطبيب دونالد إيوين كاميرون، الذي اتبع أساليب غريبة مثل وضعها في حالة غيبوبة مستمرة لمدة شهر كامل، وأجبرها على الاستماع إلى رسائل مسجلة لساعات طويلة يوميًا لإعادة برمجة عقلها.
تعرض العديد من المرضى لفقدان الذاكرة وفقدان الهوية، حيث نسي البعض أسماءهم وحتى كيفية أداء أبسط الوظائف، في حين اعتبر الأطباء ذلك “نجاحًا” علميًا.
رغم هذه التجارب القاسية، فشل العلماء في المرحلة الثانية من المشروع المتمثلة في إعادة برمجة العقول بالكامل.
ظل المشروع سريًا حتى عام 1974، عندما كشف الصحفي سيمور هيرش تحقيقًا عن الانتهاكات التي قامت بها وكالة الاستخبارات، مما دفع الكونغرس الأميركي إلى فتح تحقيق شامل، وانتهى بحظر إجراء تجارب على البشر دون علمهم.
الجزيرة



