اقتصاد

الزراعة والصناعات العلفية.. درع سورية لحماية الأمن الغذائي

على امتداد الأزمات الاقتصادية التي مرت بها سورية عبر العقود، بقيت الزراعة صمام الأمان الذي يستند إليه الاقتصاد الوطني، ومصدر الثبات في مواجهة التحديات المتلاحقة.

واليوم، تعود الزراعة لتتصدر المشهد مجددًا باعتبارها محركًا أساسيًا للتنمية، ليس فقط بتأمين الغذاء، بل أيضًا عبر دعم الصناعات الوطنية وتوفير الأعلاف للثروة الحيوانية، وهو ما يجعلها حجر الزاوية في أي استراتيجية للأمن الغذائي.

من الحقل إلى المصنع: قيمة مضافة للاقتصاد الوطني

يرى الدكتور سامر حسام الدين، المتخصص بالمكننة الصناعية والزراعية، أن الصناعات الزراعية تمثل الجسر الذي ينقل المحاصيل من الحقول إلى المصانع، لتتحول من مواد خام إلى منتجات عالية القيمة.

ويشرح قائلًا: «زراعة القمح لا ينبغي أن تنتهي عند مرحلة الطحين، بل يجب أن تمتد إلى إنتاج المخبوزات والمعجنات. وثمار المشمش والتين يمكن تحويلها إلى مربيات وعصائر قابلة للتصدير، مثلما تفعل مصانع الألبان في دمشق التي تنتج الجبن والحليب المجفف للأسواق المحلية والخارجية».

وفي الساحل السوري، تقدم صناعة زيت الزيتون مثالًا ناجحًا، حيث تتحول ثمار الزيتون المزروعة على آلاف الهكتارات إلى زيت ذهبي عالي الجودة يجد طريقه إلى الأسواق العربية.

الصناعات الزراعية.. فرص عمل وتعزيز للأمن الغذائي

يؤكد حسام الدين أن تطوير الصناعات الزراعية يساهم في خلق فرص عمل وتنمية المجتمعات الريفية وتعزيز الاكتفاء الذاتي، مشيرًا إلى أن أبرز مجالات هذه الصناعات في سورية تشمل:

معالجة الأغذية: تحويل الحبوب واللحوم والخضار والفواكه إلى منتجات جاهزة مثل العصائر والمعلبات والمخبوزات.

صناعة الأعلاف المركزة من الذرة والشعير وفول الصويا المدعّمة بالفيتامينات والمعادن.

إنتاج الزيوت النباتية والدهون من الزيتون وعباد الشمس وفول الصويا، مع إمكانية التوسع في إنتاج الوقود الحيوي.

صناعة السكر من قصب السكر والبنجر السكري، والاستفادة من مخلفاته مثل دبس السكر.

صناعة النسيج والورق والأخشاب اعتمادًا على القطن والألياف النباتية.

الصناعات الدوائية والكيميائية باستخلاص مركبات فعالة من النباتات الطبية.

تجارب عالمية ملهمة

تقدم دول عدة نماذج ناجحة لدمج الزراعة بالصناعة:

في إسبانيا وإيطاليا تحولت زراعة الزيتون إلى صناعات متكاملة للتصدير.

في البرازيل أصبحت صناعة السكر والإيثانول من قصب السكر ركيزة أساسية لاقتصادها عبر الوقود الحيوي.

أما نيوزيلندا فقد حولت إنتاج الألبان إلى صناعة ضخمة قائمة على التصدير، خصوصًا الحليب المجفف والجبن.

يعلّق حسام الدين: «تطوير الصناعة الزراعية في سوريا يعني تقليل الهدر، وتعظيم القيمة المضافة للمنتجات، وخفض الاعتماد على الاستيراد، وبالتالي تعزيز الاستقلال الاقتصادي».

الزراعة العلفية.. دعم مباشر للثروة الحيوانية

بموازاة الصناعات الغذائية، تؤدي الزراعة العلفية دورًا حاسمًا في دعم إنتاج اللحوم والألبان والبيض، عبر توفير محاصيل مخصصة لتغذية الأبقار والأغنام والماعز والدواجن.

تشمل أبرز أنواع الأعلاف:

الأعلاف الخضراء مثل البرسيم والفصة والشعير الأخضر.

الأعلاف الجافة مثل التبن والدريس وحطب الذرة.

الأعلاف الغنية بالطاقة والبروتين مثل الذرة وفول الصويا والشعير، وغالبًا تُدعّم بعناصر غذائية إضافية.

يؤكد رضوان قاسم، أحد مربي الماشية في ريف حماة، أن زراعة جزء من الأعلاف في أرضه ساعدته على تخفيض التكاليف والتحكم بنفقات مزرعته، بدلًا من الاعتماد الكامل على الأعلاف المستوردة باهظة الثمن.

تحديات تواجه الزراعة العلفية

رغم أهميتها، تواجه الزراعة العلفية في سوريا عدة صعوبات أبرزها:

نقص المياه وارتفاع تكاليف الري.

تقلبات المناخ وتراجع إنتاج المحاصيل.

التنافس على الأراضي بين المحاصيل الغذائية والعلفية.

ارتفاع أسعار البذور والأسمدة ومدخلات الإنتاج.

وللمقارنة، تعتمد دول كبرى على الزراعة العلفية بشكل واسع؛ فالولايات المتحدة تعدّ أكبر منتج للبرسيم عالميًا، وتعتمد الصين على الذرة لتغذية الخنازير والدواجن، بينما تشكل الفصة مكونًا أساسيًا في أعلاف الماشية الأوروبية، وتُستخدم الذرة الرفيعة في إفريقيا بفضل مقاومتها للجفاف.

التكنولوجيا.. مفتاح الزراعة الحديثة

يؤكد حسام الدين أن الزراعة الحديثة لا يمكن أن تتطور دون الاعتماد على التكنولوجيا، موضحًا أن من أبرز أدوات الزراعة الذكية:

الزراعة الدقيقة باستخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار لمراقبة المحاصيل وترشيد استهلاك المياه والأسمدة.

تقنيات إنترنت الأشياء (IoT) لربط الآلات الزراعية بأنظمة ذكية تراقب العمليات لحظيًا.

الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات والتنبؤ بالإنتاجية وإدارة سلاسل التوريد.

التكنولوجيا الحيوية لإنتاج محاصيل معدّلة وراثيًا أكثر مقاومة للجفاف والأمراض.

الاعتماد على الاقتصاد الدائري عبر إعادة تدوير المخلفات الزراعية لإنتاج طاقة أو أعلاف أو أسمدة، كما تفعل بعض الدول التي تستخدم قش الأرز لصناعة الورق أو الوقود الحيوي بدلًا من حرقه.

فرص وتحديات.. نحو مستقبل أكثر استقرارًا

رغم التحديات العديدة مثل شح المياه وتغير المناخ وضعف البنية التحتية وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلا أن الفرص ما زالت قائمة، من خلال:

الاستثمار في البحث العلمي والتطوير الزراعي، تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، فتح أسواق جديدة للتصدير، وتبني أنظمة الري الحديثة والزراعة الذكية.

يختتم الدكتور حسام الدين حديثه بالقول:

«الزراعة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل قضية أمن قومي.

وبدمج الصناعات الزراعية مع الزراعة العلفية وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، يمكن لسوريا أن تحقق الاكتفاء الذاتي وتبني اقتصادًا متوازنًا ومستدامًا».

الثورة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى