من يملك القرار في السويداء؟

في قلب محافظة السويداء السورية، يقف الشيخ حكمت الهجري كأحد أبرز القادة الروحيين والسياسيين لطائفة الموحّدين الدروز، حيث يمتد نفوذه ليس فقط دينيًا واجتماعيًا بل وتسيطر قراراته على المشهد السياسي في المحافظة، وسط تحديات وصراعات معقدة بين الفصائل المحلية والقوى الخارجية.
جذور “مشيخة العقل”.. تاريخ ممتد ووراثة بين ثلاث عائلات
تعود فكرة “مشيخة العقل” في طائفة الموحّدين الدروز إلى العهد العثماني، حيث كان الشيخ إبراهيم الهجري أول من تقلد هذا المنصب بفضل صلاحه وتقواه، وظلّ شيخ العقل الأوحد في السويداء حتى وفاته. بعدها تقرّر أن تكون مشيخة العقل حكراً على ثلاث عائلات هي: الهجري، جربوع، والحنّاوي، التي تنتقل فيها المسؤولية بالوراثة.
ينقسم نفوذ هذه العائلات جغرافياً بين بلدة قنوات والريف الشرقي والشمالي لمشيخة آل الهجري، والمدينة والقرى القريبة لمشيخة آل جربوع، وقرية سهوة البلاطة والريف الجنوبي لمشيخة آل الحنّاوي. لكن، يبقى السؤال الأهم اليوم: من يملك القرار الفعلي في السويداء؟
حكمت الهجري.. من المرجع الديني إلى رمز المعارضة السياسية
ولد حكمت الهجري في فنزويلا عام 1965، وتولى منصب شيخ العقل بعد وفاة شقيقه أحمد في حادث سير عام 2012 يُقال إن نظام الأسد يقف خلفه. برز اسمه بقوة خاصة بعد انطلاق احتجاجات “ساحة الكرامة” في أغسطس 2023، حيث دعم الحراك، وجعل من داره في قنوات مركزاً لتنسيق المعارضة.
رغم معارضة بعض السياسيين لتحويل داره إلى مركز معارض، إلا أن الواقع الشعبي فرض نفسه، ليصبح حكمت الهجري رمزاً للحراك الشعبي، مقابل تيار سياسي مدني يسعى للفصل بين الدين والسياسة، وقطاعات مسلحة متعددة تتصارع على النفوذ في المحافظة.
الانقسامات والضغوط الخارجية.. تحديات تفرضها المرحلة
شهدت مشيخة العقل انقسامات حادة، حيث أعلن حكمت الهجري القطيعة مع الحكومة الانتقالية في دمشق، بينما اختار الشيخان الآخران موقفاً أكثر توافقاً ودعوا للحوار. هذا الانقسام استغلته جهات خارجية لتعميق الخلافات ودعم موقف الهجري لخدمة مصالحها.
وعلى المستوى العسكري، انقسمت الفصائل بين مؤيد ومعارض لحكمت الهجري، فكان “المجلس العسكري” إلى جانبه، بينما وقف “رجال الكرامة” ضدّه.
بعد يوليو.. شعبية متزايدة وتحكم شبه مطلق في إدارة السويداء
بعد الأحداث الدامية في يوليو 2024، التي شهدت انتهاكات على يد الحكومة الانتقالية والفصائل العشائرية، ارتفعت شعبية حكمت الهجري بشكل ملحوظ، إذ رآه كثيرون الحامي من “الاضطهاد الطائفي” وأيقونة للمقاومة.
ورغم وجود أصوات معارضة له، إلا أنه يظل اللاعب الأساسي في الملف السياسي والاقتصادي للمحافظة، يدير شؤونها عبر اللجنة القانونية العليا التابعة للمشيخة، التي بدأت بتشكيل لجان أمنية وعسكرية وإدارية.
واقع جديد.. تحكم ديني وفصائلي وسط مخلفات الدكتاتورية
بعد عقود من حكم النظام البعثي الذي قمع الحريات السياسية وزرع الانقسامات الطائفية والعشائرية، لم يستطع السوريون بعد الثورة كسر جميع قيود الماضي. في السويداء، يبدو أن السلطة تحولت إلى مؤسسات دينية وفصائل مسلحة، تشكل بديلاً عن الدولة.
يبقى التساؤل: هل سينجح الشعب السوري في استعادة حريته الحقيقية وقرار مصيره بعيداً عن التبعية للمرجعيات التقليدية؟ أم أن مسيرة البناء السياسي تحتاج إلى وقت أطول لتتخطى هذه التحديات العميقة؟
الحل نت



