توتر ريف حلب الشرقي يعيد رسم حدود القوة على الأرض

شهد ريف حلب الشرقي في 31 آب/أغسطس الماضي جولة جديدة من الاشتباكات بين قوات الحكومة السورية و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، أعادت التوتر بين الجانبين إلى الواجهة بعد أسابيع من مواجهات مماثلة في حرمل الإمام شمال دير حافر.
ورغم توقف القتال سريعًا، إلا أن تكرار هذه الأحداث خلال فترة قصيرة أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين دمشق و”قسد”، وما إذا كانت هذه الاشتباكات مجرد حوادث ميدانية متفرقة أم أنها رسائل سياسية مقصودة تعكس هشاشة الاتفاقات الموقعة بين الطرفين.
روايات متناقضة حول ما جرى
وفقًا لوكالة “سانا” الرسمية، تمكن الجيش السوري من التصدي لمجموعة من عناصر “قسد” حاولوا التسلل إلى نقاطه في قرية تل ماعز شرق حلب، حيث نصب لهم كمينًا وأوقع خسائر بصفوفهم.
وأضافت الوكالة أن عناصر “قسد” المتمركزين في أم تينة ودير حافر استهدفوا نقاط الجيش أثناء محاولتهم سحب رفاقهم، ما أدى إلى تبادل إطلاق النار بالأسلحة الخفيفة قبل أن يتطور إلى استخدام السلاح الثقيل مع وصول تعزيزات عسكرية.
لكن “قسد” نفت هذه الرواية عبر بيان نشرته وكالة “هاوار”، مؤكدة أنها لم تشارك في أي اشتباكات في تل ماعز، ووصفت ما جرى بأنه “تضليل إعلامي”، معتبرة أن ما حدث مجرد خلافات داخلية بين فصائل موالية للحكومة جرى تضخيمها إعلاميًا.
ولم تكن هذه الحادثة الأولى في المنطقة، إذ شهدت حرمل الإمام في 4 آب/أغسطس الماضي مواجهة مشابهة. حينها أعلنت “قسد” أنها صدّت هجومًا شنته فصائل موالية للحكومة السورية على أربعة مواقع لها، واستمرت الاشتباكات 20 دقيقة. واعتبرت أن الهجوم “تصعيد متعمد يهدد استقرار المنطقة”، محمّلة دمشق كامل المسؤولية، ومؤكدة استعدادها للرد “بقوة وحزم”.
في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع السورية في اليوم نفسه إصابة أربعة جنود وثلاثة مدنيين نتيجة قصف من “قسد” استهدف ريف منبج، مؤكدة أنها أحبطت محاولة تسلل قرب قرية الكيارية التابعة لناحية حرمل الإمام.
أبعاد سياسية ورسائل متبادلة
لم تقتصر التطورات على الميدان، إذ أصدرت وزارة الدفاع التركية في 4 أيلول/سبتمبر تحذيرًا طالبت فيه “قسد” بالاندماج ضمن الجيش السوري والتخلي عن أي ممارسات تهدد وحدة البلاد وأمن تركيا، مؤكدة استعدادها لدعم سوريا في هذا الإطار.
الأكاديمي في العلاقات الدولية محمد الجابي يرى أن ما يجري في تل ماعز ودير حافر ليس مجرد مواجهات عابرة، بل “رسائل سياسية متبادلة” بين دمشق و”قسد”.
وأوضح أن هذه الاشتباكات تمثل وسيلة ضغط يستخدمها كل طرف لإظهار قوته وفرض شروطه، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ اتفاق آذار/مارس الماضي.
وبحسب الجابي، تعود جذور التوتر إلى خلافات حول دمج المؤسسات وتقاسم الموارد وإدارة المعابر، إلى جانب غياب الثقة المتبادلة.
كما لفت إلى أن القوى الإقليمية والدولية تسعى لاستغلال هذه الفجوات لصالح أجنداتها، ما يزيد المشهد تعقيدًا.
واعتبر أن هذه الاشتباكات ترسم حدود القوة ميدانيًا، فالدولة تسعى لتأكيد سيادتها، بينما تحاول “قسد” إثبات أنها لاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه.
لكنه استبعد انزلاق الوضع إلى حرب واسعة، مشيرًا إلى أن الطرفين يدركان أن أي تصعيد شامل سيعيد البلاد إلى دائرة صراع مفتوحة.
دير حافر.. نقطة استراتيجية دائمة التوتر
تتمتع دير حافر شرق حلب بأهمية استراتيجية لكونها ملتقى طرق يربط مناطق سيطرة الحكومة بريف منبج الخاضع لـ”قسد”.
ينتشر الجيش السوري في المراكز الرئيسية على الطرق، بينما تسيطر “قسد” على الأطراف الشمالية والشرقية قرب خطوط التماس، ما يجعل المنطقة بؤرة توتر قابلة للاشتعال بأي لحظة.
ويعود ذلك إلى اتفاق وقع في 10 آذار/مارس الماضي بين الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، نصّ على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سورية تحت إدارة الدولة، بما يشمل المعابر وحقول النفط والغاز.
لكن التطبيق العملي لهذا الاتفاق لا يزال متعثرًا، وهو ما يظهر بوضوح في مثل هذه الاشتباكات المتكررة.
عنب بلدي



