غير مصنف

اللاجئون السوريون أمام واقعين أحلاهما مرّ

شكّل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 نقطة تحول رئيسية في أزمة اللجوء السورية، حيث أزال العقبة السياسية التي أبقت ملايين السوريين في المنفى لأكثر من عقد من الزمن. وقد استجاب لهذا التغيير نحو 450 ألف لاجئ عبروا الحدود الدولية عائدين إلى ديارهم، بالإضافة إلى 1.2 مليون نازح داخلياً بدؤوا رحلة العودة إلى مناطقهم الأصلية. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي 6.8 مليون لاجئ و6.9 مليون نازح داخلي، يشكلون معاً واحدة من أكبر أزمات التشريد القسري في التاريخ المعاصر.

تواجه عملية العودة تحديات كبيرة تتجاوز الجوانب السياسية، حيث أن تدمير البنية التحتية والانهيار الاقتصادي والتشرذم الاجتماعي تشكل عوائق ذاتية التعزيز تستمر حتى بعد تغيير النظام. فسوريا تعاني من تلوث واسع بالذخائر غير المنفجرة التي تسببت بمقتل 220 مدنياً في أوائل 2025 فقط، بالإضافة إلى انهيار اقتصادي حيث يعيش 90% من السكان تحت خط الفقر ويعاني 12.9 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي.

يكشف انهيار البنية التحتية التعليمية والصحية عن عمق الأزمة، حيث لا تعمل سوى 57% من المستشفيات و37% من مراكز الرعاية الصحية الأولية، بينما يعاني النظام التعليمي من تدمير المدارس ونزوح الكوادر التعليمية وتجزئة المناهج. كما يعاني المجتمع من أزمة صحية نفسية حادة تظهر في معدلات اضطراب ما بعد الصدمة (55.5%) والاكتئاب (33.5%)، بالإضافة إلى تآكل رأس المال الاجتماعي وانهيار شبكات الثقة المجتمعية.

بالمقابل، أصبحت الدول الأوروبية مصدر تهديد متصاعد للاجئين السوريين الهاربين من الصراع بسبب سياساتها التي تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان التي ترفع شعاراتها. حيث تتجه دول أوروبية بشكل متزايد في الآونة الأخيرة إلى ترحيل اللاجئين بما في ذلك الأطفال، تحت ذرائع مثل “الخطر على النظام العام” – كما حدث في قبرص والدنمارك وألمانيا – دون مراعاة للظروف الأمنية والاقتصادية الكارثية في سوريا. فيما يُعتبر ترحيل الأطفال – بما فيهم من ولدوا في أوروبا ولم يعيشوا في سوريا – انتهاكاً صارخاً للاتفاقيات الدولية مثل “الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان” التي تحظر الإعادة القسرية.

وقد تفاقم هذا النهج مؤخراً مع تصنيف بعض الدول الأوروبية مناطق في سوريا كـ”آمنة” بشكل انتقائي، متجاهلة تقارير الأمم المتحدة التي تؤكد أن حوالي 16.5 مليون سوري سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية بنهاية عام 2025، وأن أقل من ربع هذه الاحتياجات تم تمويلها حتى منتصف العام فقط. حيث يواجه التمويل الدولي لإعادة الإعمار عجزاً كبيراً، بينما لم يتم توفير سوى 71 مليون دولار من أصل 575 مليوناً مطلوبة، فيما تغيب آليات العدالة الانتقالية الفعالة لمعالجة قضايا المساءلة والمصالحة.

كما أن المشهد الأمني المتدهور، لا يزال يهدد حياة السوريين في مختلف المناطق، فالبلاد تعاني من انتشار الميليشيات المسلحة المتعددة الانتماءات مما يتسبب بانعدام الاستقرار في معظم المحافظات، خاصة في الشمال والشمال الشرقي، في إطار الخلاف ما بين الإدارة الذاتية (الأكراد) وحكومة دمشق، حيث تشكل الهجمات المتقطعة والاشتباكات المسلحة تهديداً يومياً للمدنيين.

وأظهرت تقارير حديثة صادرة في يوليو 2025 عن “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أن عمليات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري لا تزال تمارس على نطاق واسع، خاصة ضد العائدين من اللجوء، مما يجعل العودة إلى سوريا مغامرة محفوفة بالمخاطر. كما أن التهديدات الاسرائيلية المستمرة لسيادة البلاد وتوغلها في الداخل السوري واحتلالها لمناطق على مشارف العاصمة يزيد من حدة التوتر القائم ويدفع بمساعي بناء دولة سورية مستقرة نحو الهاوية.

من ناحية أخرى، يواجه اللاجئون السوريون في أوروبا واقعاً مريراً من التهميش والعنصرية، مما يدفع بعضهم إلى تبني استراتيجيات غير تقليدية لتجنب الترحيل. ففي النمسا وأماكن أخرى، لوحظ أن بعض اللاجئين يتعمدون الفشل في دورات الاندماج اللغوي كشكل من أشكال المقاومة السلبية، حيث يعتقدون أن ذلك قد يؤخر ترحيلهم. هذه الممارسات تعكس انهيار الثقة في السياسات الأوروبية وتؤكد أن الخوف من العودة إلى سوريا يفوق الخوف من فقدان الفرص في أوروبا.

ومن الجدير بالذكر أن المنظمات الحقوقية الدولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”أمنستي” قد نشرت تقارير في النصف الأول من 2025 تنتقد بشدة توجه أوروبا نحو الترحيل، مشيرة إلى أن ذلك ينتهك مبدأ “عدم الإعادة القسرية” وهو حجر الزاوية في القانون الدولي للاجئين. كما أظهرت دراسة أجرتها “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” في مارس 2025 أن العائدين إلى سوريا يعانون من معدلات فقر تصل إلى 90% ونقص حاد في الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والمياه النظيفة.

ختاماً، يبدو أن السياسة الأوروبية تجاه اللاجئين السوريين تفتقر إلى التوازن بين الضغوط الداخلية والالتزامات الأخلاقية والقانونية. فبدلاً من تعزيز الحماية والاندماج، تتجه هذه السياسات نحو التقييد والترحيل، مما يضع اللاجئين في دائرة الخطر ويُظهر أوروبا كطرف غير موثوق به في حماية حقوق الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى