الاخبار

غارات إسرائيلية وتوترات السويداء.. هل تواجه دمشق معركة بقاء؟

تشهد سوريا اليوم مرحلة دقيقة تتداخل فيها التحديات الأمنية مع الضغوط الداخلية، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على أراضيها، وتصاعد التوترات في محافظة السويداء، بينما تسعى مكونات رئيسية مثل الأكراد والعلويين إلى تعزيز حضورها السياسي والعسكري.

هذا المشهد يعكس حجم التعقيدات التي تواجه دمشق في سعيها للحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها، وسط تدخلات إقليمية ودولية متشابكة، وصراع مستمر بين مصالح محلية وأجندات خارجية تتنافس على النفوذ داخل سوريا.

رغم الحديث عن تفاهمات أمنية مرتقبة، تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية في الجنوب السوري، ما يضيف مزيدًا من الضغط على الحكومة السورية التي تحاول إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية.

الباحث السياسي حسن الدغيم أشار في حديثه لقناة سكاي نيوز عربية إلى أن سوريا تجاوزت تحديات كبرى خلال السنوات الماضية، من بينها الجماعات الانفصالية والضغوط الدولية، إضافة إلى وجود ميليشيات أجنبية على أراضيها. ورغم ذلك، تمكنت الدولة من استعادة السيطرة على معظم المحافظات، باستثناء مناطق مثل السويداء والحسكة والرقة وأجزاء من دير الزور، التي لا تزال تشهد اضطرابات أمنية وسياسية.

الدغيم يرى أن التحديات الحالية، رغم صعوبتها، لا تُقارن بما عاشه السوريون خلال سنوات الحرب، من قصف عشوائي وتدخلات خارجية ومحاولات دولية لعزل النظام. ويؤكد أن الدولة السورية تسعى اليوم لمعالجة ملفاتها الداخلية وفق رؤية وطنية مستقلة، تضع الأمن والاستقرار في مقدمة الأولويات.

ويضيف أن إدماج المكونات السورية المختلفة، سواء الطائفية أو العرقية، يتطلب معالجة دقيقة للتوترات التاريخية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. ويرى أن نجاح سوريا في هذه المرحلة يعتمد على قدرتها في الحفاظ على وحدة أراضيها، وتفادي الانزلاق نحو صراعات داخلية.

محافظة السويداء تمثل واحدة من أبرز الملفات الحساسة، نظرًا لتركيبتها الاجتماعية وموقعها السياسي. ويشير الدغيم إلى أن غالبية المكونات في السويداء، إلى جانب الأكراد والعلويين، لا تزال على تواصل مع الدولة وتؤيد وحدة البلاد، لكنه يحذر من أطراف تسعى لتقسيم سوريا تحت شعارات قومية أو انفصالية.

ويشدد على أن الأولوية في هذه المرحلة هي للأمن الداخلي، وليس للتحالفات السياسية أو البروتوكولات الرسمية، مؤكدًا أن أي محاولة لإدماج المكونات المختلفة يجب أن تراعي حساسية المرحلة الانتقالية والارتباطات الدولية.

من جانبه، يركز الباحث عمار وقاف، مدير مؤسسة غنوسوس للأبحاث، على التحديات الاقتصادية التي تواجه المكونات العلوية، خاصة بعد فقدان العديد منهم وظائفهم نتيجة الأزمات المتلاحقة. ويؤكد أن إعادة اللحمة الوطنية تتطلب معالجة الانقسامات الاجتماعية، وتوفير الحقوق الأساسية، وتهيئة بيئة اقتصادية مستقرة.

وقاف يشير إلى أن المجلس العلوي لا يمثل كامل الطيف العلوي، ما يعكس صعوبة تحقيق تمثيل شامل، ويضيف أن تجربة الأكراد في شمال شرق سوريا تُظهر أن أي توجه نحو الفيدرالية أو المركزية يحتاج إلى خطوات مدروسة، وأن تطبيقها في سوريا ليس أمرًا بسيطًا في الوقت الراهن.

ويؤكد أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تطال معظم المكونات السورية، بما في ذلك الشباب الذين نشأوا في ظل الحرب، ما يجعل معالجة هذه الملفات أولوية وطنية للحفاظ على الاستقرار.

فيما يتعلق بالتهديدات الإسرائيلية، يرى الدغيم أن تل أبيب تسعى إلى منع سوريا من تطوير قدراتها العسكرية، مستغلة الغارات المتكررة كوسيلة لإضعاف الدولة. لكنه يؤكد أن دمشق لا تنوي الدخول في مواجهة مفتوحة، بل تركز على تعزيز أمنها الداخلي.

ويضيف أن السلام لا يمكن تحقيقه مع أطراف تمارس العنف ضد المدنيين، مشددًا على أن الحلول العسكرية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تُرافقها جهود سياسية واجتماعية تعزز وحدة الدولة.

ويشير إلى أن التوازن الاستراتيجي يتطلب من دمشق التركيز على الملفات الداخلية، والتعامل بحذر مع التهديدات الخارجية، بما يضمن الحفاظ على السيادة الوطنية.

في ختام التحليل، يؤكد كل من الدغيم ووقاف أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة إدماج جميع المكونات السورية، ومعالجة الانقسامات الطائفية والفكرية، وتعزيز التعليم والبنية التحتية، وإعادة النازحين، ودعم الاقتصاد الوطني.

ويرون أن إعادة الإعمار لا يجب أن تقتصر على مشاريع البناء، بل يجب أن تشمل برامج اجتماعية وثقافية تعيد بناء النسيج الوطني، وتكسر الحواجز بين المكونات المختلفة، بما يضمن استقرار سوريا على المدى الطويل.

الرسالة الأساسية التي يحملها هذا الطرح واضحة: لا يمكن تحقيق السلام والاستقرار إلا من خلال وحدة الدولة السورية، وإدماج جميع مكوناتها، ومعالجة الانقسامات، في ظل استمرار التحديات الإقليمية والدولية التي تواجه البلاد.

سكاي نيوز عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى