متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟

نشأتُ في بيئة فكرية متأثرة بجماعة الإخوان المسلمين، وشاركتهم النضال والهجرة في مواجهة نظام حافظ الأسد. كانت تلك مرحلة مليئة بالتحديات، انتهت بلحظة فارقة في تاريخ سوريا، حين سقط النظام في ديسمبر الماضي، وهو حدث اعتبره كثيرون بداية جديدة للبلاد بعد عقود من القمع والتهجير.
لقد عانى السوريون من جرائم ممنهجة، حولت البلاد إلى معتقلات مفتوحة مثل صيدنايا وتدمر، ودفعت الملايين إلى الهجرة. كما تورط النظام السابق في تصدير المخدرات، واستقدام ميليشيات طائفية، ما زاد من تعقيد المشهد الإقليمي والدولي.
ورغم أنني اليوم أكتب بصفتي الشخصية، لا كمستشار للرئيس السوري، فإنني أجد أن المرحلة الحالية تتطلب مراجعة جذرية للأفكار والتنظيمات السياسية، تمامًا كما تتطور اللغة وتتغير مع الزمن. فالثبات على أدوات قديمة في عالم متغير هو نوع من الانفصال عن الواقع.
التحول السياسي بعد سقوط النظام
منذ لحظة الانتصار، بادرت معظم الكيانات السورية، من الائتلاف الوطني إلى الفصائل العسكرية والمجالس المحلية، إلى حل نفسها وتسليم زمام الأمور للقيادة الجديدة. هذا التوجه الجماعي عكس رغبة حقيقية في بناء دولة مستقرة، بعيدًا عن الانقسامات والصراعات الداخلية.
لكن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، رغم تاريخها الطويل، ما زالت متمسكة بتنظيمها، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية. فمعظم أعضاء الجماعة تجاوزوا الستين من العمر، بينما حُرم شبابهم من المشاركة الفاعلة بسبب غيابهم الطويل عن الساحة السورية.
هل آن أوان التغيير؟
إن الإصرار على البقاء ضمن إطار تنظيمي تقليدي، في وقت تتغير فيه المعادلات الإقليمية والدولية، قد يحرم الجماعة من لعب دور إيجابي في بناء سوريا الجديدة. فغيابهم عن المشهد لأكثر من نصف قرن أضعف حضورهم، وترك المجال لسردية النظام لتشيطنهم وتهمشهم.
وقد شهدنا في تجارب دول أخرى كيف أن التخلي عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين كان خطوة نحو النجاح السياسي. ففي السودان، أسس الدكتور حسن الترابي الجبهة الإسلامية القومية، وفي تونس ظهرت حركة النهضة بقيادة راشد الغنوشي، بينما اختار إخوان الأردن تأسيس جبهة العمل الإسلامي. أما في فلسطين، فقد انفصلت حركة حماس عن التنظيم الدولي، وفي تركيا، نجح حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان وعبدالله غول في الوصول إلى السلطة بعد تجاوزهم للإطار التقليدي.
دعوة للمراجعة
كل هذه التجارب تؤكد أن التمسك بالهياكل القديمة لا يخدم العمل السياسي في بيئة متغيرة. فالتنظيمات التي أعادت تشكيل نفسها وفقًا للواقع الجديد، استطاعت أن تحقق نتائج ملموسة، بينما بقيت الأخرى أسيرة الماضي.
ما أطرحه اليوم ليس جديدًا، بل هو حديث يتردد في جلسات شباب الجماعة، لكنني أملك الجرأة لأقوله علنًا، كما فعلت سابقًا حين دعوت إلى فك ارتباط جبهة النصرة بتنظيم القاعدة. فالشعارات الكبرى لا تبني دولًا، بل تحتاج إلى واقعية سياسية، وإدراك لحجم التحديات والفرص.
خاتمة
إن مستقبل سوريا يتطلب من جميع القوى السياسية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، أن تعيد النظر في أدواتها وخطابها، وتنتقل من مرحلة التنظيم إلى مرحلة المشاركة الفاعلة في بناء الدولة. فالتاريخ لا ينتظر أحدًا، ومن لا يتأقلم مع الواقع الجديد، قد يجد نفسه خارج المعادلة.
سكاي نيوز عربية



