الاخبار

سوريا تستعجل ملء الفراغ الأمني بـ”دورات قصيرة” فهل تفيد؟

منذ سقوط النظام السوري أواخر العام الماضي، بدأت القيادة الجديدة التي تشكلت في إدلب، بقيادة “هيئة تحرير الشام”، بإعادة تشكيل مؤسسات الدولة من الصفر، بعد أن حُلَّت الأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية بالكامل. ومع غياب الخبرات المؤسسية خارج إطار الفصائل، لجأت القيادة إلى إجراءات سريعة لبناء منظومة أمنية وعسكرية بديلة.

تلك الخطوات تمت بشكل متسارع وغير متوازن، ما أنتج قوات جديدة تفتقر إلى الانسجام الداخلي، وتعاني من ضعف في التدريب، وغياب في التخصص. ورغم محاولات تغطية هذا الفراغ من خلال الاعتماد على مقاتلي إدلب المخضرمين، إلا أن المشهد ظل هشاً، خاصة مع وجود عناصر أجنبية في مواقع قيادية، وغياب التنوع المجتمعي داخل التشكيلات الأمنية.

تجنيد سريع وتدريب محدود

اعتمدت السلطة الجديدة على سياسة “التأهيل السريع”، لتخريج مئات الجنود في فترات زمنية قصيرة. وكان الهدف الأساسي هو ملء الفراغ الأمني بأسرع ما يمكن، دون انتظار تأسيس أكاديميات عسكرية أو إرسال بعثات تدريبية خارجية، في ظل محدودية الإمكانات المادية والبشرية.

وبرغم أن دوافع المتطوعين كانت متنوعة—من البحث عن عمل إلى الرغبة في الدفاع عن مناطقهم—فقد رأى مراقبون عسكريون أن هذا النمط من التجنيد السريع لا يصنع جيشاً بالمعنى الحقيقي، بل يخلق حاملي سلاح دون معرفة كافية بدورهم أو بمهاراتهم، وهو ما قد يؤدي إلى مشاكل في الانضباط والتعامل مع المدنيين لاحقاً.

نقد داخلي: “دورات رمزية” وغياب التخصص

يرى الخبير الأمني فائز أحمد أن التسرع في تخريج دفعات عسكرية غير مدربة كان خطوة اضطرارية لتجنب الفوضى، لكنه يؤكد أن الجندي أو الشرطي يحتاج إلى معرفة متخصصة قبل أن ينخرط في العمل الميداني. ويضيف: “لا يكفي تدريبهم على مفاهيم دينية وسياسية، بل يجب أن يتعلموا استخدام السلاح، إدارة العمليات، والتعامل مع المدنيين ضمن القانون”.

ويحذر أحمد من أن التعامل مع الأحداث الميدانية بدون فهم حقيقي للتخصصات الأمنية المختلفة قد يؤدي إلى كوارث، مثل تدخل الجيش في مشاجرة مرورية بسيطة أو استخدام القوة المفرطة في حالات لا تتطلب ذلك.

تشابه مع تجارب دولية

ما يحدث اليوم في سوريا لا يختلف كثيراً عن تجارب مشابهة شهدتها دول مثل العراق وأفغانستان. ففي العراق بعد 2003، أدى حل الجيش السابق إلى فراغ أمني كبير، حاولت الولايات المتحدة سده من خلال تدريب آلاف المجندين في فترات قصيرة، لكن النتائج لم تكن مرضية، حيث تورطت قوات الشرطة الجديدة في فساد وانتهاكات.

أما في أوكرانيا، فتم اعتماد برامج تدريب مكثفة بالتعاون مع أوروبا، تطورت مع الوقت من ثلاثة أسابيع إلى شهرين، لإعداد المقاتلين لمعارك معقدة ضد القوات الروسية. وفي أفغانستان، أدت الدورات القصيرة إلى ضعف شديد في أداء القوات الأمنية، ما دفع طالبان لاحقاً لإعادة النظر في أنظمة التدريب.

غياب الرؤية المؤسسية

تفتقر التشكيلات العسكرية الجديدة في سوريا إلى رؤية طويلة المدى لتأسيس مؤسسات مستقرة. فبدلاً من الكليات العسكرية التي كانت تخرّج الضباط في سنوات، يتم اليوم تخريج جنود خلال أيام أو أسابيع، دون هيكلية واضحة للترقي أو المتابعة أو حتى الرقابة.

الأكاديمي هايل عبود يرى أن التركيز على الجوانب الشرعية والسياسية في الدورات القصيرة أمر غير منطقي، ويقول: “الأولوية يجب أن تكون للتدريب العسكري العملي—فك وتركيب السلاح، أساليب القتال، التعامل مع الأزمات، وحماية المدنيين”.

بيئة خصبة للصدام

في ظل غياب التخصص والانضباط، أصبح التعامل الأمني في الشارع السوري يتسم بالعنف والتوتر. يقول بعض الأهالي إن خلافات بسيطة يمكن أن تؤدي إلى استخدام السلاح، لأن المجندين الجدد يرون في القوة وسيلة لإثبات الذات وفرض هيبة الدولة، ولو بشكل خاطئ.

ويحذر مراقبون من أن هذا الوضع يخلق بيئة خصبة للصراعات المجتمعية، ويفتح الباب لممارسات عنصرية أو طائفية تهدد بتمزيق ما تبقى من النسيج السوري.

اندبندت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى