صحيفة بريطانية : 3 قوى عظمى تتنافس في سورية

بعد دخول سورية مرحلة جديدة قبل نحو 8 أشهر وسقوط نظام بشار الأسد، تولت “هيئة تحرير الشام” زمام السلطة في البلاد، عاد الصراع بين القوى العظمى ليطفو على السطح، حيث تتسابق الولايات المتحدة وروسيا والصين لفرض نفوذها في منطقة جيوسياسية حساسة في الشرق الأوسط.
في تحليل نشرته صحيفة “آي بيبر” البريطانية، يشير جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة “جلف ستيت أناليتيكس” الاستشارية في واشنطن، إلى أن سورية أصبحت اليوم مركزًا محتملاً للتوتر في خضم التنافس العالمي على النفوذ، إذ تسعى الولايات المتحدة والصين وروسيا لكسب موطئ قدم في الدولة الجديدة، بينما تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى توحيد أمة مزقتها الحرب الأهلية التي استمرت 14 عامًا، لتجد نفسها في مواجهة مباشرة بين الشرق والغرب.
التوجه الغربي الجديد
سقوط نظام الأسد المتحالف مع إيران وروسيا في ديسمبر 2024 شكّل نقطة تحول حاسمة، إذ رأت القوى الغربية فرصة لتحقيق نفوذ طال انتظارها في سورية، في حين تسعى موسكو وبكين للحفاظ على مصالحهما في البلاد.
ومع تولي أحمد الشرع، الزعيم السابق لـ “هيئة تحرير الشام”، السلطة، سارعت دمشق الجديدة إلى الابتعاد عن “محور المقاومة” بقيادة إيران وكتلة “بريكس بلس”، وإعادة ترتيب علاقاتها مع الغرب ودول الخليج.
هذا التحول أدى إلى تراجع واضح في النفوذ الروسي والصيني، بينما يأمل الغرب في تعزيز موقعه عبر التقارب مع الحكومة السورية الجديدة.
ويعتقد الكاتب أن رفع العقوبات التي فرضت خلال عهد الأسد، مثلما ألمح دونالد ترامب والقادة الأوروبيون، سيكون مشروطًا بقيود تمنع دمشق من إعادة التقارب مع روسيا أو الصين أو إيران.

كما مثل لقاء ترامب بالشرع في الرياض خلال مايو لحظة تاريخية في العلاقات بين الولايات المتحدة وسورية.
الأستاذة مارينا كالكولي، الباحثة في جامعة ليدن، ترى أن الشرع، المقاتل الإسلامي السابق، أصبح جزءًا من ما أسمته “النظام التابع للولايات المتحدة”، لأنه اعتبر ذلك السبيل الوحيد للبقاء في السلطة وضمان استقرار البلاد، مما يفرض عليه إبعاد النفوذ الروسي ومنع تدخل الصين.
موسكو لن تتراجع
رغم الانحسار الواضح، لا تزال روسيا مصممة على الحفاظ على وجودها العسكري في سورية، بما في ذلك قاعدة طرطوس البحرية، التي تمثل موطئ قدم استراتيجيًا لها في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وفق كافييرو، فإن روسيا تعتبر هذا الوجود العسكري هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا، رغم أن الحكومة الجديدة تتعامل مع موسكو ببراغماتية.

زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى موسكو ولقاؤه سيرغي لافروف، تشير إلى رغبة دمشق في دعم روسي محدود، خصوصًا في إطار عملية “العدالة الانتقالية”، مع مراجعة الاتفاقيات السابقة مع روسيا، مع استمرار عدم وضوح مستقبل القواعد العسكرية الروسية في البلاد.
الصين ومستقبل الاستثمار
رغم الدعم غير العسكري الذي قدمته الصين للنظام السابق، فإن دمشق الجديدة منفتحة على أي تمويل أو استثمار صيني، خصوصًا أنها بحاجة إلى موارد ضخمة لإعادة الإعمار بعد 14 عامًا من الحرب.
ويبدو أن الصين تسعى لضمان شريك مستقر في سورية لتوسيع فرصها الاستثمارية وربط دمشق بمبادرة “الحزام والطريق”، لكن أي توسع اقتصادي صيني سيظل مشروطًا بموافقة القوى الغربية، حسب المحلل الجيوسياسي نيكولا ميكوفيتش.
السير على حبل مشدود
بينما تظل سورية في موقف دقيق، يسعى الشرع لإدارة علاقاتها الخارجية ببراغماتية، محاولًا الاستفادة من أي ميزة دون الانحياز الكامل لأي طرف، سواء كان من روسيا أو الولايات المتحدة أو الصين.
بحسب مسعود معلوف، السفير اللبناني السابق، فإن سورية الجديدة ستتجنب الوقوع في منافسة القوى العظمى، ولن تصبح صديقًا حميمًا لأي طرف، لكنها لن تعادي أحدًا بشكل صريح.
خلاصة كافييرو أن إعادة ترتيب سورية بعد الأسد ليست إعلان ولاء لأي دولة، بقدر ما هي محاولة مدروسة للبقاء والسيادة، ومحاولة لتجاوز صدام القوى الكبرى في المنطقة.
“الحل”



