الاخبار

استثمارات مليارية وشركات مبهمة لإعادة إعمار سوريا

في خطوة وُصفت بأنها تمثل تحولاً اقتصادياً كبيراً، أعلنت السلطات الانتقالية السورية عن توقيع سلسلة من الاتفاقيات الاستثمارية الضخمة مع عدد من الشركات المحلية والدولية، تجاوزت قيمتها الإجمالية 14 مليار دولار، شملت قطاعات رئيسية مثل النقل، الإسكان، البنى التحتية، الطاقة، والمرافق العامة. لكنّ هذه الاتفاقيات، بدل أن تبعث الأمل في انتعاش اقتصادي حقيقي، فجّرت موجة من الشكوك والتساؤلات حول طبيعة الشركات المنفذة، وغياب الشفافية، واحتمال عودة ممارسات الفساد التي وُصمت بها مرحلة النظام السابق.
عقود بمليارات الدولارات… ولكن من هم الشركاء؟

من أبرز ما أُعلن عنه كان توقيع اتفاقية مع شركة تركية تُدعى “Polidef” بقيمة 4 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق الدولي. غير أن التحقيقات التي أجرتها جهات إعلامية وشعبية كشفت أن الشركة لا تمتلك أي سجل مشاريع سابق، ولا تظهر لها معلومات موثوقة عبر الإنترنت، ما يشير إلى احتمال كونها شركة وهمية أو واجهة لشركات أخرى تعمل في الخفاء، فيما يُعرف بـ”shell companies”.

والمفاجأة الأكبر أن موقعها الإلكتروني تم إطلاقه قبل أسابيع فقط من توقيع الاتفاق، ولا يحتوي على أي تفاصيل حقيقية حول هويتها، موظفيها، أو مشاريعها السابقة. حتى عنوانها في إسطنبول، كما تبيّن، مزور أو مرتبط بشركات أخرى لا علاقة لها بالمجال.
“مدينة أبراج دمشق” ومشاريع فخمة بلا تاريخ

ضمن الاتفاقيات المعلنة، جرى التوقيع على مشروع “مدينة أبراج دمشق” بتكلفة تفوق 2 مليار دولار، إلى جانب مشاريع مثل مترو دمشق، وتوسعة مطار دمشق، وأبراج البرامكة، وتطوير مراكز تجارية ورياضية. لكن أحد أكثر العقود إثارة للجدل كان مع شركة إيطالية تُدعى “UBAKO”، تأسست في 2022 فقط، برأسمال لا يتجاوز 16 ألف يورو، ولا تملك سوى موظف واحد مسجّل في 2025، ما يجعل قدرتها على تنفيذ مشاريع عملاقة محل شك واسع.

المثير للريبة أن رابط “فيسبوك” الموجود على موقع الشركة يقود إلى صفحة شخصية لتاجر سوري، مما يطرح علامات استفهام حول الجهات الفعلية التي تقف خلف هذه المشاريع.
أصوات شعبية: “تزييف رئاسي” أم سوء تقدير؟

العديد من الصحافيين والمراقبين السوريين وصفوا هذه الاتفاقيات بأنها محاولة استعراضية للترويج السياسي أكثر من كونها مشاريع جدية. الإعلامي السوري نضال معلوف أطلق على ما جرى اسم “تزييف رئاسي”، مؤكداً أن الشركات الموقعة ليست سوى واجهات لأسماء محسوبة على النظام السابق، مثل عائلة حمشو و”الأخوين خياط”، المتورطين في قضايا فساد موثقة.

من جانبه، أوضح الصحافي علي عيد أن هناك مبالغة كبيرة في الترويج لهذه المشاريع، في ظل غياب أي عملية تدقيق حقيقية في خلفيات الشركات، وغياب مناقصات أو عروض تنافسية، ما يشير إلى مخاطر عالية من الفشل أو الاحتيال.
استثمارات خليجية… وجه آخر أكثر مصداقية؟

في مقابل هذا الغموض، بدا أن الاستثمارات الخليجية، وخاصة السعودية والقطرية، تتسم بقدر أكبر من الجدية والمصداقية. مشاريع مثل الأسمنت الأبيض في عدرا، أو مشاريع طاقة وخدمات تم الإعلان عنها بوضوح، تمثل النقيض الكامل لما تم الكشف عنه بخصوص الشركات التركية والإيطالية.
استثمار من الداخل: شركات من إدلب تدخل المشهد

ظهور شركات من شمال غرب سوريا، وتحديداً من إدلب، المعروفة بارتباطها السابق بـ”هيئة تحرير الشام”، ضمن المشهد الاستثماري، زاد من القلق حول الخلفيات السياسية والولاءات التي تحكم بعض هذه الاتفاقيات. وتم تقديم هذه المشاريع على أنها “نقلة نوعية”، بحسب تصريحات رئيس هيئة الاستثمار السورية، وسط تجاهل للأسئلة الجوهرية حول من يقف خلف هذه الكيانات؟
أين الشفافية؟ وأين الرقابة الشعبية؟

ما يثير قلق كثير من السوريين اليوم هو غياب الشفافية وعدم فتح المجال أمام الجمهور والخبراء للاطلاع على تفاصيل العقود أو الشركات المعنية. هناك شعور بأن المشهد الاستثماري يعاد تشكيله بنفس أدوات الفساد القديمة، ولكن بوجوه جديدة أو مُعاد تدويرها، ما يهدد بتحويل الوعود الاقتصادية إلى أوهام لا تلامس حياة السوريين اليومية.
خلاصة: هل نبني المستقبل أم نعيد تدوير الماضي؟

رغم أن التوقيع على مشاريع استثمارية ضخمة يعد خطوة إيجابية على الورق، فإن الافتقار للوضوح حول هوية الشركات المنفذة، ومصادر تمويلها، ومصداقيتها، يضع علامات استفهام كبيرة على جدوى هذه الاتفاقيات. إن استعادة الثقة العامة تتطلب رقابة شعبية ومؤسساتية حقيقية، ونشر تفاصيل العقود، وضمان التنافسية، وإبعاد المتورطين بالفساد عن المشهد الجديد.

وفي غياب ذلك، تبقى هذه المشاريع أقرب إلى “عناوين إعلامية” لا أكثر، فيما تنتظر العائلات السورية أي أثر حقيقي على واقعها المعيشي.

اندبندت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى