الاخبار

تغيير أسماء وأنساب.. أين أخفى نظام الأسد أطفال معارضيه؟

أعلنت السلطات السورية الشهر الماضي اعتقال عدد من الشخصيات البارزة، من بينها كندة الشماط وريما القادري، اللتان شغلتا سابقًا منصب وزير الشؤون الاجتماعية والعمل في فترات مختلفة خلال حكم النظام السوري المخلوع. وجاءت هذه الاعتقالات على خلفية اتهامات بتورطهم في ملف إخفاء أطفال المعتقلين المعارضين، وهي القضية المعروفة إعلاميًا باسم “أطفال المعتقلين” أو “الإيداعات الأمنية” وفق وثائق رسمية للنظام السابق.

وشملت الحملة أيضًا مسؤولات عن دور أيتام مختلفة، مثل المديرة السابقة لمجمّع لحن الحياة ندى الغبرة، وهنادي خيمي، ولمى الصواف، وفداء الفندي، إضافة إلى مديرة جمعية المبرة لكفالة الأيتام لمى البابا وأختها رنا البابا، وكذلك رئيسة مجلس إدارة ميتم دفا فداء دقوري.

كما طالت الاعتقالات المديرة الحالية لمجمّع لحن الحياة ميس عجيب، التي أُطلق سراحها لاحقًا وأُدرج اسمها ضمن قائمة الشهود في القضية.

ماهية القضية: من هم “الأطفال المفقودون”؟

القضية تتعلق بأطفال اعتُقلوا مع ذويهم على يد أجهزة النظام السوري، قبل أن يُفصلوا عنهم قسرًا ويُنقلوا إلى دور أيتام مثل لحن الحياة وجمعية المبرة ودار الرحمة للأيتام وقرى الأطفال “SOS”.

كان النظام يمنع أي تواصل بين الأطفال وأسرهم، ويُغيّر في بعض الحالات أسماء عائلاتهم ويحرف السجلات الرسمية، في إطار سياسة منظمة بالتنسيق بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ودور الأيتام والأجهزة الأمنية، وأبرزها المخابرات الجوية.

ووفق شهادة ميس عجيب، فإن الإشراف المباشر على هذا الملف كان من أسماء الأسد زوجة الرئيس المخلوع.

جهود كشف الحقيقة بعد سقوط النظام

مع انهيار نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تصاعدت المطالبات بكشف مصير هؤلاء الأطفال.

فقد سلّمت بعض مديرات دور الرعاية سجلات للحكومة المؤقتة، وفي يناير/كانون الثاني 2025 أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل العثور على وثائق سرية صادرة عن أفرع أمنية بشأن نقل أطفال إلى دور أيتام.

وشكلت الحكومة لجنة تحقيق خاصة ضمّت ممثلين عن وزارات العدل والداخلية والأوقاف ومنظمات المجتمع المدني، بهدف حصر عدد الأطفال المفقودين وكشف مصيرهم.

وأكد ممثل وزارة العدل القاضي حسام خطاب أن التحقيقات تجري وفق الأصول القانونية، مع ملاحقة حالات الإلحاق غير النظامية وتغيير النسب، ومحاسبة كل من يثبت تورطه.

آلية النقل: من الزنازين إلى المياتم

أظهرت المعلومات أن عملية النقل كانت ممنهجة:

الاعتقال الجماعي للأطفال مع ذويهم أثناء المداهمات أو على الحواجز الأمنية.

فصل الأطفال عن أمهاتهم في السجون، بما في ذلك مواليد حديثون أو أطفال وُلدوا نتيجة اعتداءات جنسية من عناصر الأمن.

صدور أوامر سرية من الأجهزة الأمنية – خاصة المخابرات الجوية – إلى وزارة الشؤون الاجتماعية للعمل على نقلهم.

النقل بشاحنات أو حافلات أمنية إلى دور الأيتام، مع أوامر صارمة بعدم كشف أي معلومات عنهم.

وتكشف وثائق أن الوزيرتين كندة الشماط وريما القادري وقعتا أوامر بتغيير أسماء الأطفال وألقابهم.

وأشارت شهادات موظفين إلى أنهم كانوا مجبرين على استقبالهم خوفًا من بطش الأجهزة الأمنية.

أوضاع مأساوية داخل دور الأيتام

وصل كثير من الأطفال في حالة صحية متدهورة، بعضهم مريض أو مصاب بالقمل، بل إن طفلة حديثة الولادة فارقت الحياة بعد فترة قصيرة من وصولها إلى دار الرحمة.

وكان معظمهم بلا أوراق ثبوتية، ويتم تغيير أسمائهم أو تسجيلهم كموتى لمنع أي محاولة لتعقبهم.

وشملت المؤسسات المستقبلة لهم: قرى الأطفال، مجمع لحن الحياة، دار الرحمة، جمعية المبرة، جمعية الأنصار، ميتم سيد قريش، ميتم دار الأمان، وجمعية دفا.

حجم الكارثة بالأرقام

التقديرات تشير إلى أن عدد أطفال المعتقلين يتراوح بين 3 آلاف و5 آلاف طفل:

تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان (11 يونيو/حزيران 2024) أكد أن 4536 طفلًا لا يزالون مختفين قسرًا.

قناة الجزيرة قدرت العدد بـ4 آلاف منذ 2011.

وزارة الشؤون الاجتماعية وجدت 300 ملف في دمشق، مع تقدير بـ3700 مفقود.

منظمة NPR الأمريكية حددت أكثر من 350 طفلًا في دور أيتام بدمشق.

بعض الجمعيات أقرت باستقبال أطفال من الأجهزة الأمنية، مثل قرى الأطفال (139 طفلًا بين 2013 و2019)، ودار الرحمة (100 طفل بين 2015 و2024، عاد منهم 24 فقط)، وجمعية المبرة (50 طفلًا).

انتهاكات واتهامات خطيرة

إلى جانب تغيير الأسماء، كشفت شهادات وتقارير عن:

ظروف اعتقال قاسية في السجون، من زنازين مظلمة ورطبة إلى حصص غذائية شحيحة.

اعتداءات جسدية ونفسية داخل دور الأيتام، وفق شهادات أمهات وجيران.

مخاوف من الاتجار بالأطفال، الاستغلال الجنسي، التبني غير القانوني، أو حتى تجارة الأعضاء.

حالات تجنيد قسري بعد بلوغهم سنًا معينة للقتال مع الجيش أو فصائل موالية للنظام.

مصير مجهول لكثير من الأطفال

بعد سقوط النظام، بدأت العائلات البحث المحموم عن أبنائها، وتمكن بعضهم من لمّ شملهم، لكن آلاف الأطفال لا يزال مصيرهم غامضًا.

ويعقّد الأمر تغيّر أسمائهم وتقدّمهم في العمر، وضياع الوثائق التي يمكن أن تثبت هوياتهم.

وتبقى الإجابات التي يبحث عنها أهالي

3700 طفل مفقود معلقة حتى اليوم.

الجزيرة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى