المونة في سورية : تقليد شعبي عريق يواجه خطر الزوال تحت وطأة الغلاء

لم تكن المونة في سورية يومًا مجرّد طقس غذائي موسمي، بل كانت دائمًا جزءًا من التراث الاجتماعي والثقافي الذي يربط العائلات بذاكرة الطفولة والمواسم. ولكن اليوم، يتهدد هذا التقليد العريق بالاندثار، مع ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق وتدهور القدرة الشرائية لدى معظم السوريين.
من طقس اجتماعي إلى عبء اقتصادي
مع قدوم الصيف، تبدأ الأسر السورية بتحضير مؤونة الشتاء كالمكدوس والمربيات والشنكليش والمجففات، وهي عادة توارثتها الأجيال، ليس فقط لتوفير الطعام، بل كفعل محبّب يجمع أفراد العائلة.
لكن واقع الأسعار في الأسواق المحلية حوّل هذا الطقس العائلي إلى عبء ثقيل، إذ باتت أبسط مؤونة تحتاج إلى ميزانية تتجاوز المليون ليرة سورية، ما اضطر كثيرين إلى تقليص الكميات أو التخلي عنها بالكامل.
أسعار المونة تحلّق: من الملوخية إلى المكدوس
تشير الأسعار الحالية إلى فجوة كبيرة بين الدخل وتكلفة المونة. على سبيل المثال:
كيلو الملوخية اليابسة: 75 ألف ليرة
المشمش الأخضر: 15 ألف ليرة
التين: 25 ألف ليرة
الدراق: 15 ألف ليرة
كيلو البندورة: 3,000 ليرة
أما تحضير المكدوس – أحد رموز المونة السورية – فيحتاج إلى مكونات باهظة الثمن:
كيلو الباذنجان: 3,000 ليرة
الفليفلة: 7,000 ليرة
الجوز: 70,000 ليرة
الزيت: 65,000 ليرة
الثوم: 40,000 ليرة
منتجات الحليب: من الضروريات إلى الكماليات
لم تسلم الألبان والأجبان من موجة الغلاء أيضًا:
كيلو الشنكليش البلدي: 120 ألف ليرة
السمنة البقرية البلدية: 110 آلاف ليرة
الجبنة المسنرة: 40 ألف ليرة
تكاليف تفوق دخل الأسرة المتوسطة
وفق تقديرات ميدانية، فإن تكلفة المونة الأساسية – وتشمل فقط الملوخية والمكدوس والبندورة – تتراوح حول مليون ليرة سورية.
وإذا أضيفت المربيات ومنتجات الحليب، فإن الرقم قد يصل إلى مليوني ليرة، وهو مبلغ يصعب على معظم العائلات توفيره، خاصة في ظل الأجور الراكدة والظروف الاقتصادية المتدهورة.
دمشق والمحافظات: طقوس المونة تتلاشى
في العاصمة دمشق، كما في باقي المحافظات، بدأت طقوس المونة تتراجع، لا بسبب تبدل العادات، بل لأن الواقع الاقتصادي لم يعد يسمح للكثيرين بممارستها.
حتى العائلات التي كانت تعتمد على المونة لتأمين حاجاتها الغذائية في الشتاء بأسعار أوفر، باتت تجد نفسها عاجزة عن تحمّل التكاليف.
من عادة اقتصادية إلى رفاهية صعبة المنال
لطالما اعتُبرت المونة وسيلة ذكية لتوفير الطعام وتجنّب أسعار الشتاء المرتفعة، غير أن الارتفاع الجنوني للأسعار حوّل هذه العادة الشعبية من خيار اقتصادي ذكي إلى رفاهية لا يقدر عليها سوى القليل.
ورغم محاولات البعض الحفاظ على هذا التقليد ولو بكميات محدودة، يبدو أن المونة السورية باتت في خطر حقيقي، تهددها الظروف المعيشية أكثر مما تهددها أي متغير ثقافي.
B2B



