أسوشيتد برس: ما تزال رائحة الموت تزكم الأنوف في السويداء

كشف تقرير ميداني لوكالة “أسوشيتد برس” أن مدينة السويداء في الجنوب السوري لا تزال تعيش تبعات العنف الطائفي العنيف الذي شهدته مؤخراً بين عشائر بدوية وفصائل محلية، حيث ما زالت رائحة الجثث المتحللة تعبق في شوارعها. المدينة التي كانت تعج بالحياة تحولت اليوم إلى مشهد خاوٍ على عروشه، مع دمار واسع وصمت قاتم يخيم على الأحياء التي شهدت صراعات دامية.
ورغم الهدوء النسبي الذي تلى الاشتباكات، لا تزال آثار الدمار واضحة في كل مكان، من الأبنية المحترقة إلى السيارات المدمرة، كما يغطي الزجاج المتناثر أرضيات المصارف، حيث يستمر جرس الإنذار بالرنين بلا توقف، في مشهد يعكس حجم الخراب الذي خلفه النزاع.
خلفيات الاشتباكات وأسبابها
بدأت الاشتباكات قبل أسبوعين نتيجة خلافات وخطف متبادل بين عشائر بدوية ومقاتلين من الأقلية الدرزية، وأسفرت عن مقتل مئات الأشخاص، مما يهدد حالة الاستقرار الهشة التي تمر بها سوريا بعد سنوات الحرب.
تدخلت قوات الحكومة السورية لإنهاء القتال، لكنها انحازت في الواقع للعشائر، فيما ارتكب بعض المقاتلين التابعين لها جرائم بحق المدنيين من الدروز، بما في ذلك عمليات سلب وإعدام.
معاناة المستشفى الوطني وجرحى المدينة
تمكن صحفيو “أسوشيتد برس” من دخول السويداء لأول مرة منذ بداية العنف، حيث وجدوا المستشفى الوطني مكدساً بجثث القتلى، ورغم محاولات التنظيف، ما تزال الرائحة الكريهة تنتشر فيه.
منال حرب، التي كانت برفقة ابنها المصاب صافي ضرغام، تحدثت عن إصابة ابنها بطلقات نارية أثناء تطوعه للعمل في المشفى، مؤكدة أن قناصين استهدفوه رغم كونه مدنياً غير مسلح. ابنها يعاني من إصابات خطيرة تهدد بفقدان ذراعه إذا لم يعالج فوراً. بينما قتل زوجها وأحرق مسلحون منزلهما ونهبوا متعلقاتهم.
تصاعد التوتر الطائفي ورفض نزع السلاح
شهد النزاع تصاعداً في التوترات الطائفية، حيث تعرض دروز المدينة للإذلال والاعتداءات، وهو ما دفع بعض الفصائل الدروز للرد بهجمات انتقامية، الأمر الذي أدى إلى نزوح أكثر من 130 ألف شخص.
رغم تعهد الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع بمحاكمة المسؤولين عن استهداف المدنيين، إلا أن الشكوك والغضب ما تزال سائدة بين أهالي السويداء.
الطائفة الدرزية، التي تشكل جزءاً من المذهب الشيعي ويقدر عددها بنحو مليون نسمة في سوريا ومناطق أخرى، كانت قد رحبت في البداية بسقوط نظام الأسد، لكن المواقف تباينت تجاه الحكومة الجديدة التي يرأسها الشرع، حيث انقسم الدروز بين من يدعمونها ومن يعارضونها، خاصة مع استمرار العنف والمواجهات.
شهادات من وسط الأزمة
قال الشاب الدرزي طلال جرماني، الذي حمل السلاح للدفاع عن مجتمعه، إنه لا يرى فرقاً كبيراً بين العشائر البدوية وقوات الأمن الحكومية، معتبراً أن الحوار فشل وأن السلاح أصبح الخيار الوحيد للدفاع.
كما أبدى رفضه لفكرة نزع السلاح من الدروز، مؤكداً أن سلاحهم “مقدس” وضروري لحماية أنفسهم حتى تحصل الطائفة على ضمانات أمنية حقيقية.
المسيحيون في وسط الصراع
وجد المسيحيون في السويداء أنفسهم أيضاً بين نيران النزاع، حيث لجأت عائلات عديدة إلى الكنائس طلباً للأمان. ولاء الشماس، ربة منزل وأم لطفلين، تحدثت عن تدمير منزلها إثر قصف صاروخي، وعن خوفها وهروبها مع عائلتها من العنف.
موجات نزوح وهروب من المدينة
خلال الأيام الأخيرة، غادر مئات السكان من السويداء من مختلف الطوائف، في قوافل نظّمها الهلال الأحمر السوري، فيما تمكن آخرون من مغادرة المدينة بمفردهم، هرباً من دوامة العنف.
ميشلين جابر، موظفة في الإدارة المحلية، نجت من قصف استهدف سيارتها أثناء محاولتها الهروب مع أسرتها، لكنها فقدت زوجها وأفراداً من عائلتها في الحادث. اليوم تعيش في دمشق بعد رحلة شاقة، وتحكي قصتها بحسرة وألم لكنها تعبر عن إيمانها بقضاء الله.
إرم نيوز



