تعقيدات سياسية وقانونية.. لماذا ألغت فرنسا مذكرة توقيف الأسد؟

في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، ألغت محكمة التمييز الفرنسية، وهي أعلى سلطة قضائية في البلاد، مذكرة التوقيف الصادرة في نوفمبر 2023 بحق الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، والمتعلقة بتهم التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، خصوصًا فيما يتعلق بالهجمات الكيميائية على الغوطة عام 2013.
القرار القضائي، الصادر في 26 يوليو 2025، استند إلى مبدأ الحصانة المطلقة لرؤساء الدول خلال فترة توليهم الحكم، وهو ما يمنع ملاحقتهم القضائية أمام المحاكم الوطنية الأجنبية، إلا في ظروف استثنائية مثل قرارات دولية صادرة عن مجلس الأمن أو المحكمة الجنائية الدولية.
القضاء الفرنسي يقرّ بفظاعة الجرائم… لكن الحصانة تمنع المحاسبة
ورغم الإقرار بوحشية الجرائم المرتكبة، أوضحت المحكمة أن الصفة الرسمية للأسد آنذاك تحول دون المضي قدماً في ملاحقته، ما يعكس التوتر المتكرر بين متطلبات العدالة الدولية ومبادئ القانون الدبلوماسي والسيادة الوطنية.
كما تركت المحكمة الباب مفتوحًا أمام إمكانية إصدار مذكرات توقيف جديدة في المستقبل، خاصةً أن الأسد أُطيح به في ديسمبر 2024 ولجأ إلى روسيا، مما قد يُسقط عنه الغطاء القانوني السابق الذي وفرته له الرئاسة السورية.
محللون: القرار يعكس ارتباكاً فرنسياً وتراجعاً عن الالتزامات الأخلاقية
يرى الخبير في الشأن السوري، فابريس بالانش، أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة ليون 2، أن قرار المحكمة يعكس ارتباكًا فرنسيًا وأوروبيًا في التعامل مع الملف السوري، حيث تتعارض الدعوات للمحاسبة مع واقع الحصانات الدبلوماسية والمصالح الجيوسياسية.
وأضاف في تصريح لـ”إرم نيوز” أن القرار، ورغم تماشيه قانونيًا مع الأعراف الدولية، يمثل انتكاسة رمزية وأخلاقية للضحايا والمنظمات الحقوقية، ويعكس تحولاً في موقف فرنسا بالتزامن مع عودة بعض الدول العربية لتطبيع العلاقات مع دمشق.
أما الباحث الفرنسي توماس بييريه، الخبير في السياسة السورية والمختص في المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، فأكد أن القرار يسلط الضوء على التضارب الدائم بين القانون والسياسة الدولية. وقال لـ”إرم نيوز”:
“في ظل غياب تفويض دولي أو اختصاص مباشر للمحكمة الجنائية الدولية، لا تملك المحاكم الوطنية مثل الفرنسية أدوات قانونية قوية لتجاوز الحصانة، رغم وضوح حجم الجرائم”.
تداعيات القرار: إعادة تعريف العدالة خارج الأطر الدولية
يرى بييريه أن لهذا القرار أثرًا يتجاوز فرنسا، إذ يدفع إلى نقاش عالمي حول مفهوم الحصانة السيادية في سياق الجرائم الجماعية. كما شدد على أن:
“ما جرى يعكس فشل النظام القضائي الدولي في محاسبة المتهمين بارتكاب فظائع إن لم يتم دعم ذلك بإرادة سياسية دولية”.
وأضاف أن القرار قد يدفع إلى إعادة النظر في قدرة الأنظمة القضائية الوطنية على التعامل مع قضايا دولية، خاصة في ظل جمود مجلس الأمن وفشل المحاكم الدولية في تأمين العدالة في الملف السوري.
خلاصة: العدالة ما زالت رهينة السياسة
بين القيود القانونية للحصانة الرئاسية والمصالح السياسية المعقدة، يجد ضحايا الحرب في سوريا أنفسهم مرة أخرى أمام حواجز تمنع الوصول إلى المحاسبة الحقيقية. وعلى الرغم من بقاء التحقيقات الفرنسية مفتوحة، إلا أن إلغاء مذكرة التوقيف يرسل رسالة واضحة:
العدالة الدولية ما زالت تتعثر حين تصطدم بجدار السياسة.
إرم نيوز



