العشائر العربية في سوريا.. من هم وما مطالبهم وأين يلتقون ويختلفون مع الدروز؟

رغم مرور الزمن وتغير الأنظمة، هناك صراعات لا تهدأ كليًا. تعود لتشتعل أحيانًا وتخبو أحيانًا أخرى، بحسب ما تمليه إرادة السلطة المركزية أو التغيرات الإقليمية. هذه الصراعات لا تخرج عن سياق الاستخدام السياسي، سواء في الداخل أو في الإقليم، وتغذيها الدوافع الذاتية والمصالح، حتى وإن اتخذت غطاءً عقائديًا يمنحها شرعية شكلية تتعارض مع قيم التسامح والتعايش، خاصة حين تدور بين أبناء الوطن الواحد.
وفي هذا السياق، لا تختلف جولة التوتر الأخيرة بين الدروز في السويداء وبعض العشائر المجاورة عن جولات مشابهة وقعت على مدار قرون، حيث لعبت الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطبقية دورًا محوريًا في إشعال التوتر.
كيف اندلع النزاع؟
يعتقد جزء من أبناء الطائفة الدرزية أن بعض العشائر العربية لم تكن بعيدة عن العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الحكومية في السويداء، بعد أن شعرت تلك القوات بأنها حصلت على دعم أو ضوء أخضر من جهات إقليمية ودولية للتدخل في المحافظة.
المحامي نعمان زيدان، من أبناء السويداء، يوضح أن هناك العديد من الأدلة التي تعزز هذه القناعة لدى الدروز، مشيرًا إلى أن رد الفعل العنيف من قبلهم تجاه العشائر كان نتيجة لما اعتبروه مشاركة مباشرة من هذه العشائر في القتال، حتى وإن حاولت الأخيرة التبرؤ من ذلك والاختباء وراء ستار وزارة الدفاع، قبل أن تتصدر المشهد وتدّعي أن المعركة مع الدروز كانت “معركة كرامة”، وليست مدفوعة بأجندة سياسية.
رؤية العشائر: مظلومية تاريخية وتهميش ممنهج
على الطرف الآخر، يرى الشيخ نايف الحمادي، وهو من أبناء العشائر في محيط السويداء، أن هناك ظلماً تاريخياً وقع على العشائر العربية، فهم السكان الأصليون للمنطقة، بحسب تعبيره، بينما استأثر الدروز – الذين قدموا إلى السويداء من لبنان وفلسطين – بالموارد والمناصب.
وأكد الحمادي، في حديثه لـRT، أن وجود الدروز في السويداء لا يتجاوز قرنين من الزمن، بينما للعشائر جذور أقدم بكثير. كما أشار إلى أن عشائر مثل عنزة، شمر، الظفير وغيرها، تشكل جزءًا أصيلاً من النسيج السكاني في المحافظة.
توزيع العشائر العربية في سوريا
العشائر العربية تتوزع على مختلف المناطق السورية، ومن أبرزها:
قبيلة النعيم: نحو مليوني نسمة، منتشرة في أنحاء سوريا.
قبيلة العكيدات: حوالي 1.5 مليون، في الشرق والوسط.
قبيلة البكارة: مليون نسمة، في الشرق وحلب.
قبيلة البوشعبان: مليون نسمة، في الرقة والمنطقة الشرقية.
قبيلة بني خالد: نصف مليون، في الوسط ودرعا.
قبيلة الموالي: 300 ألف، في المنطقة الوسطى.
قبيلة الجبور: 250 ألف، في شمال شرق سوريا.
قبيلة شمر: 150 ألف، في الحسكة وحلب.
قبيلة عنزة: 100 ألف، في حمص والبادية.
وأشار الحمادي إلى أن الدروز، ومنذ استقرارهم في جبل العرب، توسعوا تدريجيًا على حساب المراعي والمناطق الخصبة، وهو ما أضر بالعشائر التي تعتمد على تربية الماشية. ونتيجة لذلك، اضطرت الكثير من العائلات العشائرية إلى الهجرة نحو درعا وريف دمشق وأحيانًا خارج سوريا. كما اتهم السلطات المتعاقبة بتهميش العشائر وإقصائهم من الوظائف والتمثيل السياسي والخدمات الأساسية.
عندما توحدت المواقف السياسية
رغم التوترات، شهدت السنوات الأخيرة تقاربًا نادرًا في المواقف السياسية بين الدروز والعشائر، خاصة بعد أن أعلنت السويداء موقفًا معارضًا صريحًا للحكومة السورية. ويرى الحمادي أن هذه اللحظة كانت فرصة مهمة للدولة لتبني نهج جديد يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية، لكن التدخل المطلوب لم يحدث.
جذور الصراع.. بين الدين والسياسة والتاريخ
الباحث في التاريخ السوري عمار خليل يرى أن الصراع بين الدروز والعشائر لا يمكن تفسيره من زاوية مذهبية فقط، رغم أن الخطاب الديني لعب دورًا في تعبئة العشائر ضد الدروز، حيث جرى تصويرهم كفرقة خارجة عن الإسلام، وهو توصيف أضفى على النزاع طابعًا دينيًا يخفي أطماع السيطرة على الموارد والنفوذ المحلي.
ويضيف خليل أن العشائر العربية، رغم انتمائها لأهل السنة، لم تكن يومًا ممثلة لتيار ديني فاعل في سوريا، بخلاف الحواضر السنية في دمشق وحلب. فالعشائر حافظت على استقلالية نسبية عن السلطة المركزية، وكانت علاقاتها بالدولة مرنة بحسب السياق السياسي، مع اعتمادها في المقام الأول على الولاء للعشيرة والعيش في المراعي.
كما يؤكد خليل أن التاريخ مليء بمحطات التوتر بين العشائر والد
روز، وغالبًا ما كان الدروز يتمتعون بعلاقات مستقرة مع السلطة توفر لهم الحماية، وهو ما لم يتوفر للعشائر إلا في أوقات استخدامهم كورقة في صراعات سياسية أو عسكرية.
خاتمة: بين الماضي والحاضر، يبقى الحل في الدولة العادلة
يشير خليل إلى أن التعايش في سوريا لم يكن مستقرًا دائمًا، وغالبًا ما كانت الصراعات تتفجر حين تضعف السلطة المركزية، أو تمنح ضوءًا أخضر ضمنيًا لبعض الجهات لمهاجمة أخرى، ضمن حسابات سياسية معقدة.
وبرغم كل شيء، فإن المخرج من هذه الأزمة المستمرة يكمن في تأسيس عقد اجتماعي جديد، يقوم على احترام التنوع، وضمان الحقوق، وتوفير العدالة في التمثيل السياسي والخدمات، بعيدًا عن منطق الغلبة التاريخية أو المظلومية المتوارثة.
روسيا اليوم



