اللامركزية الإدارية.. خريطة طريق لإعادة بناء سوريا أم ناقوس فرقة؟

يعتقد العديد من المحللين أن النظام السوري القائم على الحكم المركزي الصارم، والذي مثّل لعقود طويلة جوهر نظام حزب البعث، كان سببًا رئيسيًا في انهياره لاحقًا. فبينما مثّل هذا النهج “قبضة حديدية” موحدة، إلا أنه تجاهل التنوع العرقي والديني والثقافي الواسع الذي تتسم به سوريا، ما ساهم في تصاعد الغضب الشعبي وانطلاق حراك واسع النطاق هدد وجود الدولة في أول اختبار جدي.
ذلك الحراك لم يكن فقط صرخة من أجل الحرية والكرامة، بل أيضًا مطالبة ملحّة بإعادة الاعتبار للهوية المحلية، والاعتراف بحق المجتمعات في إدارة شؤونها، من الثقافة والتعليم إلى توزيع الثروات والتنمية. ومع تصاعد وتيرة التغيير، بدأت أصوات داخل المجتمع السوري تدعو إلى نموذج جديد للحكم، أبرز عناوينه: اللامركزية الإدارية.
لماذا يدعم البعض اللامركزية؟
يقول شادي، وهو مهندس من السويداء، إن العودة إلى الحكم المركزي بعد انتصار الثورة سيكون انتكاسة كبرى ومجرد تكرار لنظام لم ينجح سابقًا. ويرى أن التمسك بالنموذج السلطوي سيفاقم التهميش الذي عانت منه العديد من المناطق السورية لسنوات طويلة.
ويضيف شادي، في تصريح لـRT، أن “اللامركزية الإدارية” هي النموذج الأمثل لتوزيع السلطة والموارد، خاصة وأن الحكومة المركزية السابقة احتكرت القرار في كل صغيرة وكبيرة، بينما كانت المحافظات تفتقر إلى أدنى درجات التمثيل أو القدرة على اتخاذ القرار بشأن مشاريعها المحلية.
يشير شادي إلى أن قانون الإدارة المحلية الذي كانت الحكومات تتفاخر به، لم يكن سوى واجهة شكلية، بينما كانت القرارات الجوهرية تُصنع في دمشق بعيدًا عن معاناة الناس. ونتيجة لذلك، لم تكن التنمية متوازنة، بل حظيت بعض المحافظات بحصة الأسد من المشاريع والاستثمارات، في حين عانت أخرى من التهميش المزمن.
تجارب ملموسة على الأرض
من جهته، يستعرض كاميران، وهو محامٍ من شمال شرق سوريا، تجارب حقيقية في تطبيق الحكم المحلي في مناطق خرجت عن سيطرة النظام. ويشير إلى المجالس المحلية في الشمال، وحكومة الإنقاذ في إدلب، وتجربة الإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد، والتي يعتبرها نموذجًا ناجحًا يمكن البناء عليه.
يقول كاميران إن هناك لبسًا شائعًا بين السوريين فيما يخص مفاهيم مثل الفيدرالية، والكونفيدرالية، واللامركزية الإدارية، ما يؤدي إلى حالة من الخوف من هذه النماذج واعتبارها بوابة للتقسيم. ويؤكد أن اللامركزية لا تعني التخلي عن السيادة أو وحدة البلاد، بل تعني فقط تمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها اليومية دون انتظار التعليمات من العاصمة.
ويشرح كاميران أن القرارات المتعلقة بالخدمات الأساسية مثل التعليم والكهرباء والصحة يمكن أن تُدار محليًا بفعالية وسرعة، بينما تستغرق شهورًا وربما سنوات إذا تُركت للمركز. كما أن تشكيل مجالس محلية منتخبة سيعزز الشفافية والمساءلة ويدفع عجلة التنمية وفقًا لاحتياجات كل منطقة.
بعد اجتماعي وسياسي عميق
أما الدكتور محمود، أستاذ علم الاجتماع من طرطوس، فيؤكد أن اعتماد اللامركزية الإدارية سيخلق مناخًا جديدًا للمشاركة السياسية، حيث يشعر كل مواطن بأن له دورًا مباشرًا في تنمية منطقته. ويرى أن إعادة الإعمار التي تلوح في الأفق تحتاج إلى منافسة بناءة بين المحافظات، وإلى قرارات سريعة ومرنة لا تقتلها البيروقراطية المركزية.
يشدد الدكتور محمود على أهمية تمكين منظمات المجتمع المدني التي كانت مقموعة في الماضي، لتلعب دورًا رئيسيًا في توعية الناس بفوائد اللامركزية وبناء حوار وطني جامع يضم كافة المكونات السورية بمختلف مشاربها الفكرية والعرقية والدينية.
الأصوات المعارضة للامركزية: مخاوف مشروعة أم هواجس سياسية؟
لكن في المقابل، لا يزال هناك تيار لا يستهان به داخل سوريا، يرى أن الحفاظ على نموذج الدولة المركزية ضرورة وطنية في هذه المرحلة الحساسة. ويعبّر هؤلاء عن مخاوفهم من أن تؤدي اللامركزية، خاصة في ظل وجود فصائل مسلحة محلية، إلى تعزيز النزعات الانفصالية وتقسيم البلاد فعليًا.
فهد العمري، محلل سياسي، يرى أن دعوات الفيدرالية واللامركزية قد تفتح الباب أمام قوى محلية لتكريس سلطاتها على حساب وحدة الدولة. ويقول إن التنوع في توزيع الثروات بين المحافظات قد يولد صراعات جديدة ما لم تتم إدارتها بعناية، مشيرًا إلى أن البلاد بحاجة إلى قيادة قوية تجمع ولا تفرّق.
ويضيف العمري أن الرئيس أحمد الشرع يمثل هذا التوازن، محذرًا من الانجرار وراء مشاريع سياسية قد تكون “مدفوعة بأجندات خارجية أو نوايا غير وطنية”، على حد وصفه. ويعتبر أن الدولة المركزية، إن أُعيد تصميمها بحكمة وعدالة، يمكن أن تضمن الشمولية وتمنع التقسيم.
الطريق إلى الأمام: توافق أم تصادم؟
في نهاية المطاف، تبدو سوريا أمام مفترق طرق حاسم: فإما السير في اتجاه نظام مركزي معدل قادر على استيعاب التنوع، أو اعتماد نموذج لا مركزي يمنح المحافظات صلاحيات واسعة ضمن إطار الدولة الموحدة. وفي حين ترى بعض الفئات في اللامركزية حلاً لتهميشها، يخشى آخرون أن تتحول إلى مقدمة للانفصال.
ما يبدو واضحًا أن مستقبل سوريا السياسي لن يكون نسخة مكررة من الماضي، بل سيكون نتاجًا لتفاعل معقد بين الهويات المحلية، والمصالح الاقتصادية، والرؤية الوطنية الجامعة — وهي معادلة دقيقة لن تنجح دون حوار عميق وشامل يشارك فيه الجميع دون استثناء.
روسيا اليوم



