منح دولية وجهود قطرية لدعم قطاع الكهرباء في سوريا

يمضي قطاع الكهرباء في سوريا بخطى حثيثة لتعويض الخسائر التي لحقت به خلال سنوات الحرب، عبر تعزيز التعاون الإقليمي والحصول على تمويلات دولية، يأتي في مقدمتها الدعم القطري المباشر. وتعكس هذه الخطوات الرسمية الطموح في إعادة تنشيط إنتاج الطاقة وتحقيق استقرار نسبي في التغذية الكهربائية.
في نهاية الشهر الماضي، عقد وزير الطاقة السوري محمد البشير اجتماعًا عبر تقنية الاتصال المرئي مع نظيره الأردني صالح الخرابشة ومدير صندوق قطر للتنمية فهد السليطي، حيث تم بحث سبل تعزيز التعاون في قطاع الطاقة، وسبل نقل الغاز القطري إلى سوريا عبر الأراضي الأردنية. كما تناول الاجتماع دعم صندوق قطر للتنمية للمشاريع المرتبطة، وفرص الاستثمار وتبادل الخبرات الفنية.
وفي تصريح له على منصة إكس، أكد الوزير البشير أن الاجتماع أسفر عن اتفاقيات تسريع توريد الغاز الطبيعي بهدف تحسين قدرة توليد الكهرباء وزيادة ساعات التشغيل في مختلف المحافظات السورية.
من جهة أخرى، كشف المهندس خالد أبو دي، مدير المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، عن منحة مالية بقيمة 146 مليون دولار قدمها البنك الدولي لإعادة تأهيل البنية التحتية الكهربائية المتضررة، وتحديث خطوط النقل عالية التوتر بقدرة 400 كيلو فولت. تأتي هذه المنحة كأول تدخل مباشر للبنك الدولي في سوريا منذ أربعة عقود.
أما الدعم القطري، فقد شمل منحة لتزويد سوريا بمليوني متر مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا، يُضخ عبر خط أنابيب الغاز العربي الممتد من مصر مرورًا بالأردن وصولًا إلى سوريا. وأكد خالد أبو دي أن البنية التحتية السورية أثبتت جاهزيتها التامة لاستقبال هذه الكميات، حيث أجريت اختبارات ناجحة وضخّت كميات تجريبية دون أي مشاكل فنية.
وينتظر أن يسهم إدخال الغاز القطري في زيادة إنتاج الطاقة الكهربائية بنحو 400 ميغاواط، ما سينعكس على تحسين جودة واستمرارية التغذية الكهربائية للمواطنين، حسب ما أكد القائم بأعمال السفارة القطرية في سوريا.
ويصل الغاز إلى سوريا عن طريق تسييله في محطة العقبة الأردنية على البحر الأحمر، ثم ضخه عبر خط الغاز العربي إلى الأراضي السورية.
تأثير اقتصادي واجتماعي إيجابي
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر أن الدعم القطري سيكون له أثر مباشر في رفع ساعات التغذية الكهربائية إلى نحو 8-10 ساعات يوميًا، مما يعزز النشاط الاقتصادي، ويرفع من مستويات الإنتاج والتصدير، ويُسهم في تحسين قيمة الليرة السورية.
ويضيف عمر أن زيادة التوليد الكهربائي ستقلل التكاليف التشغيلية، مما يدعم المنتجين والمستهلكين ويعزز القدرة التنافسية للمنتجات السورية، ويساهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد.
أما على الصعيد الاجتماعي، يشير الوزير السابق محمد ياسين نجار إلى البعد الإنساني لهذا الدعم، مؤكدًا أن الكهرباء تشكل ركيزة أساسية لعودة اللاجئين وتحقيق الاستقرار، إذ تُعد من مقومات العيش الكريم، والتعليم، وتأمين مصادر الدخل.
ويعتبر نجار أن تشغيل محطة دير علي بتمويل قطري يشكل علامة على بدء عملية إعادة بناء الثقة، مما يمهد لعودة اللاجئين بشكل طوعي.
بدوره، يؤكد عمر أن تحسن الكهرباء سيعزز الاستقرار المجتمعي ويفتح فرص عمل جديدة، داعمًا جهود إعادة الإعمار والعودة.
تعاون دولي واستثمارات مستقبلية
يذكر نجار أن الاستثمارات القطرية كانت محورية في تشجيع شركات دولية على دخول قطاع الكهرباء السوري، حيث ساهمت المبادرة القطرية في اختبار جاهزية الخطوط والمحطات دون الوقوع تحت وطأة العقوبات الدولية، ما فتح الباب أمام رفع جزئي للعقوبات الأميركية.
وأدت هذه الخطوات إلى توقيع مذكرة تفاهم في مايو 2025 بقيمة 7 مليارات دولار بقيادة شركة “يو سي سي هولدنغ” القطرية وبشراكة مع جهات من تركيا والولايات المتحدة.
ويُعتبر هذا التعاون جزءًا من استراتيجية متعددة المسارات تشمل تمويلًا عاجلًا من قطر لتأمين الكهرباء على المدى القصير، مع تنفيذ مشاريع توليد طويلة الأمد، وإصلاحات هيكلية لتحديث الشبكة، إلى جانب تعديل قانون الكهرباء لتسهيل الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة.
دعم البنك الدولي وتأهيل المحطات
في إطار جهود إعادة تأهيل البنية التحتية، قدم البنك الدولي منحة بـ146 مليون دولار لصيانة عدد من محطات التحويل الرئيسية في حلب وريف دمشق وريف إدلب، شملت محطات “إف” 400 كيلو فولت، “دي”، ضاحية حلب، وأوتيا 230 كيلو فولت، بالإضافة إلى محطات تحويل 66 كيلو فولت في مناطق مختلفة.
وأوضح المهندس خالد أبو دي أن المنحة تشمل أيضًا توفير مواد الصيانة، والمعدات الفنية، وبرامج تدريب وتأهيل الفنيين لضمان رفع كفاءة الكوادر الوطنية.
وأكد الخبير الاقتصادي خالد تركاوي أن هذه المنحة هي أول تدخل مباشر من البنك الدولي في سوريا منذ عقود، مشيرًا إلى أن تفعيلها جاء بعد تسديد المتأخرات المالية التي كانت عائقًا من قبل، بتمويل مشترك من السعودية وقطر.
وشدد تركاوي على أن المنحة، رغم وصفها بأنها “غير مشروطة” من قبل الجانب السوري، تتضمن شروطًا صارمة تشمل تشكيل فرق إدارة ومتابعة لضمان التنفيذ الفعال للمشاريع.
الجزيرة



