ما علاقة ارتفاع سعر صرف الدولار بزيادة الرواتب 200% في سورية؟

تتباين الرؤى بالأوساط الاقتصادية بشأن مرسوم زيادة الرواتب بنسبة 200 بالمئة، وسط حالة من الترقب لما سيؤول إليه سعر الصرف إضافة إلى أسعار السلع والخدمات، في ظل ضعف الإنتاج المحلي والاعتماد شبه الكامل على المستوردات.
فهناك من يراها خطوة هامة لتحسين مستوى المعيشة للموظف السوري الذي أنهكته تداعيات الحرب والعقوبات الاقتصادية الخانقة، وهناك آخرين يحذرون من تداعياتها النقدية الكارثية إذا لم تُرفق بإصلاحات اقتصادية حقيقية.
سيفًا ذا حدين
الرواتب الشهرية التي يتقاضاها موظفو القطاع العام باتت لا تكفي سوى لأيام قليلة، بل وربما لساعات، مع الارتفاع الجنوني في الأسعار، وكان الحد الأدنى لراتب الموظف في القطاع العام شهريًا قبل الزيادة الأخيرة يصل إلى 280 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 27 دولار أميركي فقط بسعر السوق الموازي، بينما بعد الزيادة الأخيرة بلغ 750 ألف ليرة أي ما يعادل 75 دولارا، وهو ما يزال ضئيلًا إذا ما قورن بتكاليف المعيشة التي تجاوزت في بعض التقديرات مليونَي ليرة شهريًا للأسرة الواحدة.
لذا فإن زيادة الرواتب بنسبة 200 بالمئة تمثل سيفًا ذا حدين، فهي من جهة استجابة حتمية لمعاناة السوريين المعيشية التي استمرت ما يقرب من عقد ونصف، لكنها من جهة أخرى تثير المخاوف من أن تحول إلى عبء اقتصادي كارثي إذا لم تترافق مع رؤية إصلاحية متكاملة.
في هذا الصدد قال المستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد لدى “وزارة الاقتصاد والصناعة السورية”، جورج خزام، إن زيادة الرواتب الأخيرة بنسبة 200 بالمئة لم تكن مجرد خطوة إصلاحية، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية لتصحيح مستوى دخل الموظف السوري الذي بات شبه معدوم في ظل الظروف المعيشية الراهنة.
وأكد خلال منشور له عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك“، أن هذه الزيادة، رغم ضخامتها، تهدف إلى تحفيز الطلب الداخلي وتنشيط الاستهلاك المحلي، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس على عجلة الإنتاج إيجابًا، حيث تسعى الحكومة إلى خلق دورة اقتصادية مغلقة تبدأ من تحسين دخل المواطن وتنتهي بزيادة الإنتاج المحلي.

تحذير من التداعيات النقدية
لكن خزام حذّر في الوقت ذاته من التداعيات النقدية لهذه الخطوة إذا لم ترافقها إجراءات موازية على صعيد تأمين العرض من العملة الصعبة والبضائع الوطنية.
وبيّن أن سعر صرف الدولار مُرشح للارتفاع بمجرد أن يبدأ دفع أول شريحة من الرواتب المضاعفة، في حال لم يترافق ذلك مع ضخ كميات كافية من الدولار في السوق أو توفير سلع وخدمات محلية قادرة على تلبية الطلب المتزايد.
وأوضح أن هذه الديناميكية التضخمية ستتسارع شهرًا بعد شهر في حال استمرار العجز في تلبية الطلب من خلال الإنتاج المحلي أو الاستيراد المدروس، مشيرًا إلى أنه على سبيل المثال، إذا كانت الزيادة الشهرية في الرواتب تشكل ما يعادل 400 مليار ليرة سورية، فإن السوق سيشهد خلال شهرين ضخ نحو 800 مليار إضافية من السيولة بالليرة، وهو ما سيرفع من مستويات التضخم ويضغط على سعر صرف الدولار ما لم يتم اتخاذ تدابير احترازية وفعالة.
إجراءات ضرورية
دعا خزام إلى التعامل مع هذه المعادلة الاقتصادية من زاوية استراتيجية لا تكتفي بإجراءات إنفاقية بل تضع في أولوياتها دعم القطاعات الإنتاجية وعلى رأسها الصناعة والزراعة والسياحة.
وأكد أن تمكين هذه القطاعات من العمل بطاقتها القصوى سيعزز من قدرة البلاد على إنتاج السلع محليًا، ما يقلل من الحاجة إلى الاستيراد، ويساهم في الوقت ذاته بزيادة الصادرات، وبالتالي تأمين تدفقات إضافية من العملة الصعبة.
كما شدد على ضرورة تهيئة المناخ التشريعي والاقتصادي الملائم لجذب الاستثمارات وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، كونها تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، وتحظى بقدرة أكبر على خلق فرص العمل وتحقيق الاستقرار في الأسواق.
وأكد أن الحل الجوهري لا يتمثل فقط في مراقبة السوق وضبط الأسعار، بل في توسيع قاعدة الإنتاج وزيادة المعروض من السلع والخدمات، وهو ما سيمكن الحكومة من امتصاص الكتلة النقدية الزائدة ومنعها من التحول إلى قوة تضخمية مدمرة.
الدخل واستقرار سعر الصرف
ختم خزام بالقول إن تحسين دخل المواطن لا ينبغي أن يكون على حساب استقرار سعر الصرف أو توازن الأسواق، بل يجب أن يكون مترافقاً مع رؤية اقتصادية شاملة توازن بين الكتلة النقدية والمعروض السلعي والدعم الحقيقي للمكونات المنتجة في الاقتصاد، حتى تتحول زيادة الرواتب إلى رافعة للنمو وليس إلى وقود لموجات جديدة من التضخم وانهيار العملة.
يشار إلى أن الرئيس الانتقالي السوري، أحمد الشرع، أصدر في حزيران/ يونيو الجاري مرسوماً يقضي بزيادة الرواتب والأجور المقطوعة بنسبة 200 بالمئة لجميع العاملين بالدولة.
وتشمل هذه الزيادة العاملين المدنيين والعسكريين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة، وشركات ومنشآت القطاع العام، والوحدات الإدارية، بالإضافة إلى جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن 50 بالمئة من رأسمالها.
وتُعد هذه الزيادة الأولى على الأجور منذ الإطاحة بنظام الأسد في 8 ديسمبر وتسلّم قيادة جديدة البلاد، وكان الحكومة الأولى التي شكّلها الشرع برئاسة محمد البشير وعدت برفع رواتب الموظفين بنسبة 400 بالمئة، إلا أنها لم تستطع الوفاء بذلك في ضوء الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية التي كانت مفروضة على سورية.
“الحل”



