الاخبار

كيف حافظ النظام الإيراني على نفسه من السقوط؟

في صباح شتوي بارد في طهران، وبينما كانت أشعة الشمس تتسلل بصعوبة عبر الغيوم الكثيفة، على شارع “كريم خان زند” القريب من محطة مترو “شهداء هفت تير” التي تحمل اسم ضحايا تفجير كبير عام 1981، انطلقت أولى الهتافات الجماعية التي صدمت الجميع. لم يكن صوتًا فرديًا، بل كان صدى آلاف الحناجر تنادي بصوت واحد: “امرأة، حياة، حرية”. في ذلك اليوم من عام 2022، بدا وكأن الزمن نفسه في إيران ينهار، واندلعت لحظة تمرد تخترق صلابة النظام الحاكم.

ورغم أن هذا المشهد بدا مقلقًا داخل إيران، إلا أن مراقبين في واشنطن وتل أبيب نظروا إليه كعلامة على احتمالية سقوط قريب للجمهورية الإسلامية، التي تعاني من ضغط العقوبات والانقسامات الداخلية. البعض توقع أن ضربة جوية أو خطابًا موجهاً للشعب الإيراني قد يؤدي إلى انهيار النظام بسرعة، مستعيدين تجارب دول مثل العراق وليبيا.

لكن الأيام القليلة التي تلت ذلك قلبت هذه التوقعات رأسًا على عقب. سرعان ما خفت شرارة الاحتجاجات، وخرج المرشد الأعلى علي خامنئي مؤكدًا أن “الأعداء أخطأوا في حساباتهم مجددًا، وهم لا يفهمون هذا الشعب”.

ما لم يُفهم جيدًا من الخارج، أو تم تجاهله عمداً، هو أن النظام الإيراني ليس مجرد كيان سياسي هش يمكن تفكيكه بسهولة، بل هو شبكة معقدة تجمع بين الأجهزة الأمنية، الذاكرة الجماعية، الأيديولوجيا، والمصالح المتداخلة. دولة مبنية على جراح تاريخية، وعلى خوف عميق من تكرار تجربة الهيمنة الأجنبية.

وهذا ليس خطأ جديدًا من جانب الغرب، فقد راهنت القوى الغربية على سقوط النظام منذ ثمانينيات القرن الماضي، خلال الحرب بين العراق وإيران، لكنها لم تنجح في ذلك. حتى في عام 2017، حين توقع جون بولتون سقوط الثورة الإيرانية قبل بلوغها الأربعين، استمر النظام بصموده وتجاوز تلك الفترة.

مؤخرًا، عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعول على سيناريو مماثل، مستفيدًا من الضربات العسكرية التي شنتها إسرائيل على إيران في يونيو 2025، والتي هدفت إلى إضعاف النظام عبر خلق اضطرابات داخلية واسعة النطاق، مستهدفة ليس فقط المنشآت العسكرية أو النووية، بل أيضًا مؤسسات سياسية واقتصادية حيوية.

في المقابل، شهدت إيران عبر العقود الماضية عدة موجات احتجاجية مهمة، مثل انتفاضات الطلاب عام 1999، وحركة “الخضراء” عام 2009، والاحتجاجات الاقتصادية عامي 2017 و2018، بالإضافة إلى موجات الغضب الشعبية التي تبعت وفاة مَهسا أميني عام 2022. رغم اتساع هذه الاحتجاجات، لم تستطع أن تزلزل النظام بشكل جوهري، بسبب قوة الأجهزة الأمنية وتنظيماتها المعقدة مثل الحرس الثوري و”الباسيج” اللذين يشكلان العمود الفقري للحفاظ على النظام.

إضافة إلى ذلك، يرتكز النظام على أساس أيديولوجي وثقافي متجذر، يربط بين الهوية القومية والإسلامية، ويغذي شعورًا بالكرامة الوطنية والرفض العميق للهيمنة الغربية، مما يجعل أي تهديد للنظام يُنظر إليه على أنه تهديد لوجود الأمة.

كما أن هناك طبقة اقتصادية جديدة نشأت خلال عقود من حكم النظام، تعتمد مصالحها على استمرار الوضع الحالي، ما يضيف بعدًا آخر من التماسك.

لكن النظام ليس بمنأى عن التحديات والاختلافات الداخلية، فهناك خلافات واضحة بين التيارات المتشددة والإصلاحية داخل السلطة، مع تزايد الضغوط الاقتصادية التي تؤثر على شريحة واسعة من المجتمع، مما قد يفتح الباب أمام تغييرات مستقبلية.

من ناحية أخرى، لم تظهر حتى الآن قوة سياسية معارضة قادرة على تمثيل الشعب الإيراني بشكل فعّال أو تقديم بديل جدي للنظام، بسبب التشابكات السياسية والأمنية، وقمع الحريات السياسية.

تاريخيًا، أثبتت التجارب أن إسقاط نظام دكتاتوري لا يحدث بسهولة من الخارج، وغالبًا ما يتطلب حراكًا داخليًا واسعًا ومتعدد الأبعاد، كما أن التدخلات العسكرية الخارجية نادرًا ما تحقق الاستقرار السياسي المطلوب بعد سقوط الحكومات.

في النهاية، إيران ليست على حافة الانهيار، بل هي دولة ذات بنية معقدة وقوية، متشابكة بين الأيديولوجيا والهوية والمصالح، وأي تغير جوهري سيعتمد بشكل أساسي على عوامل داخلية، لا على الضغوط الخارجية فقط.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى