الاخبار

فورين بوليسي : رفع العقوبات عن سورية معقّد ومليء بالعراقيل

سلّط تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي الضوء على قرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب برفع العقوبات عن سورية، واعتبرته خطوة استثنائية في تاريخ السياسة الأميركية تجاه هذا البلد. لكن المجلة شددت على أن هذا التحول لا يعني بالضرورة انتهاء مفاعيل العقوبات ولا عودة سوريا الفورية إلى النظام الاقتصادي العالمي.
ورغم أن الإعفاءات التي أعلن عنها ترامب توصف بأنها الأوسع في تاريخ العقوبات الأميركية، إلا أن أثرها العملي يبقى محدوداً، بحسب المجلة.
فلا تزال سورية خاضعة لشبكة معقدة من القوانين والقرارات العقابية التي تراكمت على مدى عقود.
ومع أن القرار الرئاسي يمثّل مؤشراً سياسياً قوياً، إلا أن تنفيذه الفعلي يتطلب إجراءات مشتركة من وزارات الخارجية والخزانة والتجارة، بالإضافة إلى مصادقة الكونغرس.
مخاوف من تأثير العقوبات المتبقية
تحذّر فورين بوليسي من أن استمرار العقوبات أو حتى مجرّد بقاء آثارها، قد يُبقي المستثمرين والمؤسسات الدولية في موقع التردد من الدخول في أي نشاط اقتصادي داخل سورية، ما يعرقل أي محاولة حقيقية لإعادة دمج البلاد في النظام المالي الدولي.
ويأتي هذا التقرير ضمن سلسلة تغطيات يقدمها موقع “تلفزيون سوريا” لفهم الطريقة التي يعالج بها الإعلام الدولي ملف العقوبات المفروضة على سورية، ويُعد بمثابة مادة تحليلية تعكس وجهات نظر المجلة ومصادرها، ولا يُعتبر توثيقاً شاملاً لكامل الصورة ولا تبنّياً لاستنتاجاتها.
قرار رفع العقوبات: خطوة غير مسبوقة
مع إعلان قرار رفع العقوبات، استبشر كثيرون بإمكانية انفراج اقتصادي في سورية، التي عانت من واحدة من أشدّ أنظمة العقوبات على مستوى العالم، ما زاد من معاناتها الاقتصادية بعد الحرب. ورغم أن ترامب بادر بخطوات تخفيفية، فإن رفع العقوبات بالكامل يبدو مهمة معقدة.
فعلى عكس أسلافه، اتخذ ترامب خطوة مباشرة دون انتظار إجراءات تفاوضية مطوّلة، كما حدث مع إيران خلال إدارة أوباما.
فبينما اشترطت الإدارات السابقة التزامات سياسية وأمنية محددة، بدا أن ترامب مستعد لإنهاء العقوبات دون شروط واضحة، وهو ما اعتبرته المجلة تحولاً لافتاً في نهج البيت الأبيض.
وقد جاء القرار التنفيذي في مايو ليشمل إعفاءات شاملة، تسمح بإجراء صفقات كان يُحظر التعامل بها سابقاً، من بينها مشاريع استثمارية أجنبية داخل سوريا. كما صدرت تراخيص عامة من وزارة الخزانة وإعفاءات من قانون قيصر عبر الخارجية الأميركية، ما خفف كثيراً من آثار الحصار شبه الكامل الذي فرضته واشنطن.
شبكة العقوبات لم تُلغَ بالكامل
رغم هذه الخطوات، لا تزال سورية مدرجة ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ 1979، وتخضع لعقوبات بسبب ارتباطها السابق بجماعات كتنظيم القاعدة وهيئة تحرير الشام.
كما أن قانون قيصر وقانون محاسبة سوريا لا يزالان نافذي المفعول.
لتنفيذ رفع شامل، يتطلب الأمر تحركاً من جهات متعددة داخل الإدارة الأميركية، إضافة إلى موافقة الكونغرس، وهو ما يجعل العملية أكثر تعقيداً من مجرد إعلان رئاسي.
تحفّظات داخلية وخارجية
يواجه ترامب أيضاً مقاومة سياسية داخل حزبه، خاصة من شخصيات مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي عبّر عن قلقه من هذه الخطوة، خصوصاً أن بعض مستشاري الرئيس أبدوا تخوفهم من منح الشرعية بسرعة لقادة سورية الجدد، الذين تربطهم في الماضي علاقات بجماعات متشددة.
وعلى الرغم من الخطاب الإيجابي من القيادة الجديدة في سورية، خصوصاً تعهدات فاروق الشرع ببناء نموذج حكم شامل وإقامة علاقات سلمية مع الجوار، فإن بعض الحوادث الأمنية الأخيرة، مثل الاشتباكات الدموية بين الفصائل، أثارت مخاوف من احتمال انزلاق النظام الجديد نحو الاستبداد.
الاستثمار محفوف بالمخاطر رغم الإعفاءات
تشير فورين بوليسي إلى أن رفع العقوبات، وإن شكّل فرصة جديدة لسورية، إلا أنه لا يضمن تلقائياً تدفق الاستثمارات. فالشركات والمصارف تتردد عادة في دخول أسواق تعاني من تاريخ طويل في العقوبات، خاصة إذا لم تكن هناك توجيهات واضحة من الحكومات المعنية أو ضمانات بشأن استقرار البيئة الاستثمارية.
وقد شهدت دول مثل أفغانستان وضعاً مشابهاً، حيث لم تفلح الرخص والتراخيص وحدها في تحفيز الاستثمارات الأجنبية بعد عودة طالبان للسلطة، نتيجة التخوف من إعادة فرض العقوبات في أي لحظة.
قيود دولية إضافية خارج إطار القرار الأميركي
من المهم أيضاً الإشارة إلى أن العقوبات المفروضة على سورية لا تقتصر على الولايات المتحدة، فهناك دول أخرى لا تزال تحتفظ بإجراءاتها العقابية، مثل كندا وبعض المؤسسات الأممية التي تتعامل مع سوريا بحذر قانوني.
في حين بدأت دول أخرى مثل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا بتخفيف بعض القيود تدريجياً.
ترامب يسابق الزمن لتحقيق إنجاز دبلوماسي
ورغم التحديات، يتحرك ترامب بسرعة لتثبيت هذا المسار، مستفيداً من تأييد عدد من كبار الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء.
وقد ظهر دعم الكونغرس بشكل واضح من خلال تصريحات زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ما منح ترامب زخماً سياسياً للاستمرار في المشروع.
ويملك ترامب أدوات قانونية واسعة لدفع الأمور إلى الأمام، بما في ذلك إمكانية شطب سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، شرط إثبات وجود تغييرات جوهرية في القيادة والسياسات.
خلاصة: بين الرمزية والتطبيق العملي
في المحصلة، لا يمكن تجاهل رمزية قرار ترامب، لكنها غير كافية وحدها لتغيير الواقع الاقتصادي والسياسي في سورية. فرفع العقوبات يتطلب سلسلة معقدة من الإجراءات والتوافقات القانونية والإدارية والسياسية على أكثر من مستوى.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الإدارة الأميركية في تحويل هذه المبادرة إلى فرصة حقيقية لسورية نحو التعافي، أم أن العقبات المتعددة ستُبقي البلاد رهينة نظام العقوبات، حتى بعد رفعها على الورق؟
تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى