هل تكرر إسرائيل سيناريو “جيش لحد” اللبناني في سوريا؟

منذ فرار بشار الأسد، رئيس النظام السوري السابق، إلى موسكو في الثامن من ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة بعد عقود من الحكم الأسدي الذي امتد لنحو خمسين عاماً. هذا التحول الجذري أطلق العنان لموجة من التغيرات الداخلية والخارجية، أبرزها الانفلات الأمني الذي استغلته إسرائيل لتعزيز وجودها العسكري جنوب سوريا.
إسرائيل تتحرك في ظل الفوضى السورية
مع انهيار البنية العسكرية للنظام السوري السابق وتفكك وحداته، بدأت تل أبيب بتكثيف هجماتها على مواقع استراتيجية داخل العاصمة دمشق ومناطق أخرى، مستهدفة ما تبقى من البنية التحتية العسكرية. ومنذ ذلك الحين، تصاعدت التحركات الإسرائيلية في محافظات الجنوب، خاصة القنيطرة ودرعا، تحت ذريعة مواجهة الجماعات الإسلامية المتشددة التي برزت في المشهد بعد سقوط النظام.
“جدار بشري” على الطريقة اللبنانية
تشير التقارير من الجنوب السوري إلى أن إسرائيل تدرس تشكيل قوة محلية مسلحة تضم أبناء المنطقة، لتكون بمثابة “جدار بشري” يحمي حدودها، في سيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة أنطوان لحد خلال الحرب الأهلية اللبنانية، والذي انهار مع انسحاب إسرائيل من الجنوب في عام 2000.
حماية الأقليات… ذريعة جديدة
استغلت إسرائيل أيضاً توترات محلية مثل الاشتباكات في مدينة جرمانا، والتي شاركت فيها مجموعات درزية مسلحة، لطرح نفسها كـ”حامية للأقليات”، وهددت بالتدخل لحماية طائفة الموحدين الدروز، في رسالة واضحة بأنها تتابع المشهد السوري عن كثب وتستعد للتدخل عند الحاجة.
تعزيز الجبهة الجنوبية والفرقة الشرقية
في ظل تراجع أداء لواء غولاني خلال العمليات الأخيرة في غزة، تدرس إسرائيل استقدام قوات جديدة إلى الجبهة الجنوبية. وأفاد العقيد السوري المنشق محسن حمدان بأن تل أبيب تعمل على تشكيل ما يُعرف بـ”الفرقة الشرقية”، لحماية الحدود الشرقية ومنع أي تسللات، خاصة بعد الخروقات المتكررة في الفترة الأخيرة.
انتهاكات لاتفاقية وقف إطلاق النار
رغم التزام كل من سوريا وإسرائيل باتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة عام 1974، فإن القوات الإسرائيلية خالفت هذه الاتفاقية مراراً، وتوغلت في القنيطرة حتى وصلت إلى مركز المحافظة. وفي الوقت ذاته، بدأت مجموعات محلية مقاومة بالظهور، كان أبرزها تشكيل جديد يُدعى “أولي البأس”، وهو تنظيم عسكري يستلهم رمزيته من “حزب الله” اللبناني.
لواء المظليين ومهام نوعية
لعب لواء المظليين الإسرائيلي دوراً محورياً في تدمير أهداف داخل الجنوب السوري، مستخدماً تكتيكات سريعة وفعّالة دون الاعتماد على الدبابات الثقيلة. كما نفذ مهام استخباراتية بينها نقل جثة جندي إسرائيلي قُتل في لبنان عام 1982، قبل أن يتم سحب هذه القوات لاحقاً استعداداً لتوسيع العمليات في قطاع غزة.
“الفرقة الشرقية” ومشروع “ممر داوود”
قائد القيادة المركزية في الجيش الإسرائيلي، اللواء آفي بلوت، كشف عن تشكيل “الفرقة الشرقية” لمواكبة التغيرات في التهديدات القادمة من سوريا، مثل ظهور فصائل جديدة وتغير أساليب القتال. ويتقاطع هذا التشكيل مع مشروع استراتيجي أوسع يُعرف باسم “ممر داوود”، الذي يهدف إلى ربط الجولان بالجنوب السوري والبادية وصولاً إلى الحدود العراقية، مما يعزز النفوذ الإسرائيلي في مناطق غنية بالموارد والطاقة.
دعم الميليشيات المحلية: أداة للنفوذ الإسرائيلي
وفقاً للناشط السياسي أحمد الحوراني من درعا، فإن إسرائيل تراهن على أبناء الجنوب في تأمين الطريق الاستراتيجي الممتد من الجولان إلى البادية، لمعرفتهم الدقيقة بجغرافيا المنطقة، ولا سيما مع وجود فلول تنظيم داعش قرب البادية الشامية.
تحذيرات إقليمية ورد تركي صارم
بالمقابل، ترفض تركيا التمدد الإسرائيلي، خاصة لما له من انعكاسات على مناطق الأكراد التي تعتبرها أنقرة تهديداً لأمنها القومي. وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية والالتزام بقرارات الأمم المتحدة، مع التشديد على وحدة الأراضي السورية كخط أحمر.
مستقبل سوريا في ميزان التحولات
في ظل التغيرات الميدانية والدبلوماسية، تتجه الأنظار نحو الولايات المتحدة وما إذا كانت ستسحب قواتها من شمال شرق سوريا. تزامناً، تسعى الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع إلى تحسين علاقاتها الإقليمية، وتخطط لإعادة بناء جيش وطني قادر على فرض الاستقرار وصد التهديدات الإسرائيلية ومنع تفكك البلاد.
اندبندت عربي



