هآرتس : ماذا سيحدث بعد أن منح ترمب الشرع رصيداً من دون أي ضمانة؟

سلطت صحيفة هآرتس الإسرائيلية الضوء على مؤشرات متزايدة لاحتمال انزلاق سورية مجددًا إلى أتون حرب أهلية، وذلك مع تصاعد نفوذ الميليشيات المسلحة التي تمارس نفوذها بعيدًا عن سلطة الدولة، وسط ضعف واضح للحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، الذي تسلم دفة الحكم عقب انهيار نظام بشار الأسد.
ووفقًا لما نقلته الصحيفة، فإن وزير الخارجية الأميركي وجّه تحذيرًا صريحًا أمام مجلس الشيوخ، مشيرًا إلى هشاشة السلطة الانتقالية التي قد تنهار خلال أسابيع، بفعل اشتباكات دامية شهدتها مدن سورية عديدة، أبرزها محافظة اللاذقية التي سجلت أكثر من 1700 قتيل – غالبيتهم من المدنيين – جراء صدامات بين مجموعات مسلحة وأفراد من الطائفة العلوية.
كما شهدت السويداء مواجهات بين فصائل إسلامية وسكان دروز خلفت عشرات الضحايا.
وأشار التقرير إلى أن أبرز التحديات أمام الشرع تكمن في الجماعات الأجنبية التي قاتلت إلى جانبه ضد النظام السابق، ثم تحوّلت بعد سقوطه إلى قوى مستقلة ترفض الخضوع، ويقدَّر أن هذه الميليشيات تضم مقاتلين من روسيا، تركيا، القوقاز، ومصر، حيث انخرط بعضهم في مؤسسات الدولة وتبوأوا مناصب عليا، فيما يسعى آخرون إلى فرض أجندة دينية متطرفة بقوة السلاح.
وفي ظل غياب واضح للتمييز بين الميليشيات “الشرعية” وتلك الخارجة عن السيطرة، ووجود عناصر متطرفة داخل الأجهزة الأمنية، تبدو البلاد مقبلة على مرحلة من الفوضى العميقة، تضع الحكومة الانتقالية في مواجهة ضغوط داخلية من حلفائها المسلحين، وخارجية من واشنطن التي تطالب بإخراج المقاتلين الأجانب.
تفاصيل دامية وتحوّلات مقلقة
بحسب شهادات حقوقية، فإن شهر آذار الماضي شهد مجازر في اللاذقية راح ضحيتها أكثر من 1700 شخص، بينهم 900 مدني على الأقل.
وفي الشهر ذاته، اندلعت مواجهات في السويداء أودت بحياة أكثر من مئة شخص، ما يرفع منسوب القلق بشأن توسع رقعة الاشتباكات الطائفية والمناطقية.
ومع أن الكثير من عناصر تلك الميليشيات يحملون الجنسية السورية، فإن الأجانب بين صفوفهم – الذين أسّس بعضهم عائلات واستقر في سورية – باتوا يشكلون عامل قلق، خصوصًا مع تمسك البعض منهم بإقامة نظام ديني، وارتباط البعض الآخر بجماعات متطرفة على غرار تنظيم “الدولة”، ما ينذر بعودة التوترات المسلحة في حال استمرار تجاهل هذه التحديات.
انتهاكات وتضييق على الحريات
في حادثة سلطت الضوء على تغيّر الواقع السوري، روت الصحفية السورية عرين يمان تفاصيل تعرضها وخطيبها للاعتداء من قبل مجموعة مسلحة في دمشق، حيث أوقفتهما سيارة تقل ستة مسلحين وانهالوا عليهما بالضرب، بعد استجواب ديني وطائفي عن الحجاب والانتماء المذهبي.
وصادرت المجموعة هواتفهما وأموالهما، دون إبراز أي إثبات رسمي سوى شارة عليها شعار “النظام الجديد”.
وأكدت الصحفية أن الاعتداء كان بدوافع أيديولوجية، مشيرة إلى أن المهاجمين عاتبوها لأنها “سنية لا ترتدي الحجاب”، وهي ظاهرة متنامية بحسب ناشطين، حيث بدأت بعض النساء السوريات بارتداء النقاب أو الحجاب خوفًا من الملاحقة، في ظل بيئة متوترة تفتقر للأمان القانوني أو المؤسسي.
الحكومة بين نارين: الحلفاء المتشددون والمطالب الدولية
وفي سياق متصل، أفاد موقع “سناكسيريان” المحلي أن محافظ اللاذقية طلب من قيادات الطوائف المسيحية توجيه النساء لارتداء ملابس محتشمة مثل “البوركيني” عند زيارة الشواطئ.
وبينما لم تصدر أوامر رسمية بحظر اللباس أو الكحول، تسود أجواء ترهيب شعبي، تغذيها ميليشيات تتصرف بسلطة الأمر الواقع.
الحكومة الجديدة أعلنت أنها ستلاحق هذه الجماعات غير القانونية، لكنها تواجه تحديًا حقيقيًا في ظل تداخل مهام الأجهزة الأمنية مع نشاطات الميليشيات المسلحة.
إذ يصعب على المواطن التمييز بين عناصر الدولة وأفراد الجماعات المتطرفة، لا سيما مع تقارير عن تورط رجال شرطة في دعم تلك الميليشيات.
ضغوط أميركية ومواقف مترددة
وضعت الولايات المتحدة شروطًا لرفع العقوبات عن سورية، تشمل إقصاء المقاتلين الأجانب وتفكيك الميليشيات، وهو ما يمثل تحديًا للرئيس الشرع الساعي للحفاظ على توازن هش بين إرضاء حلفائه على الأرض والاستجابة لمطالب واشنطن.
ويبدو أن قرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب برفع العقوبات جاء استجابة لضغوط من دول خليجية مثل السعودية وقطر، ما منح الشرع فرصة نادرة، لكنها محفوفة بالمخاطر.
وفيما يرى مراقبون أن مستقبل النظام السوري الانتقالي بات معلقًا بخيط رفيع، اختصر السناتور روبيو الموقف بجملة لافتة قال فيها: “إن تعاملنا معهم قد يؤدي إلى النجاح أو الفشل، أما إن تجاهلناهم، فإن الفشل سيكون مؤكدًا”.
تلفزيون سوريا



